نور الدين عبد الكريم يكتب: تجديد الخطاب الديني… “ومالو”

يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله “يريدون أن يسلبوا الناس إيمانهم، كأن الايمان هو مشكلة الإنسانية، مع أنه لا حل لمشكلتها إلا به”. يتبع
نور الدين عبد الكريم*
![]() |
يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله “يريدون أن يسلبوا الناس إيمانهم، كأن الايمان هو مشكلة الإنسانية، مع أنه لا حل لمشكلتها إلا به”.
ربما يعبر هذا الكلام عن مكنون نوايا من ينادون بتجديد الخطاب الديني هذه الأيام. فمن يتابع أفعال أصحاب هذه الأقوال، وتصرفاتهم تجاه كل ما هو إسلامي، سيلاحظ أن هذا النداء لا يهدف إلى إحياء الدين الإسلامي في قلوب المسلمين، بل سيدرك أنه كلام يهدف إلى هدم هذا الدين من أساسه، وحرف المسلمين عن اتبّاعه بالشكل والنهج الصحيحين.
فما أن يصدر فعل تعافه النفوس السليمة، والعقول المتزنة؛ إلا وتنبري الأقلام وتصدح المنابر بصب اللوم على الإسلام والمسلمين، وكأن هذه الأفعال نابعة عن فهم إسلامي صحيح. قرأنا وسمعنا هذه الكتابات والأصوات من البعض- ومازلنا- في تعقيبهم على كل فعل إجرامي يتنافى مع النص التشريعي القائل “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”.
ما أقصده هنا بالأفعال التي تعافها النفوس والعقول، هي مشاهد القتل، والذبح، والحرق، التي تبثها وتبدع في إخراجها وتصويرها قنوات تنظيم داعش، وكذلك أعمال التفجير والتخريب التي تطال الأسواق والمباني المدنية، ولم تسلم منها حتى مساجد المصلين. فمبجرد أن يبث هذا التنظيم تسجيلا جديدا له؛ تظهر الأقلام التي تطالب بحرق وطمس كتب الفقه والتراث الإسلامي وسب ولعن أصحابها.
تُغفل هذه الأقلام أنه مر على مؤلفي هذه الكتب مئات السنين، ولم يعرف التاريخ الإسلامي على مر هذه السنين، أفراداً أو جماعات درست هذه الكتب وفهمتها الفهم الصحيح، فاتجهت متأثرة بها إلى تكفير كل من يعارضها وحرق وتعليق وسلخ وتفجير من يقع في أيديها منهم.
لو كان الخلل في مضمون هذا التراث وهذه الكتب، لكان تاريخ الأمة الإسلامية مليئا بصفحات القتل والإجرام والاقتتال غير المنقطع، ولما حظيت الطوائف والأقليات غير المسلمة بنعمة المحافظة على نسلها ودينها حتى يومنا الحاضر، ولما كتب كذلك للمذاهب والمدارس الفقهية وعلومها أن تدوم.
من عجائب الأمور، أن هؤلاء الذين يطالبون بتغيير الخطاب الديني بحجة عنفه وتطرفه وإرهابه ونبذه للآخر؛ يمارسون ما يدّعون أنهم يَنهون عنه. أذكر أني قرأت تعليقا لكاتب لا أُخفي إعجابي ببلاغته اللغوية والأدبية. فبعد أن أصدر تنظيم داعش مشاهد إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة (رحمه الله)، غرّد هذا الكاتب مطالباً طلاب الجامعة الأردنية بالتوجه إلى مكتبة الجامعة، وانتزاع كتب “شيخ الإسلام” ابن تيمية من بين رفوفها ومن ثم حرقها وإعدامها. والسبب في ذلك أن التنظيم استدل بنص مبتور منسوب لابن تيمية، ونسي كاتبنا أن التنظيم استدل كذلك بآيات قرآنية، فهل على طلاب الجامعة أن ينتزعوا المصاحف من المصليات والمساجد ويحرقوها أيضا؟! اكتشفت حينها أن “التدعشن” قد يظهر بثوب ليبرالي حداثي أيضاً.
من أمثلة ذلك أيضا ما قامت به مديرة إحدى المدارس في مصر، من حرق لكتب إسلامية تدّعي أنها تغذي العنف، والفكر المتطرف في عقول الطلاب، قامت بفعل الحرق هذا بعد أن جمعت الكتب في ساحة المدرسة، وبحضور مسؤولين من وزارة التربية والتعليم.
أما الإعلاميين، ومتصدري الشاشات في القنوات المحسوبة على نظام 3 يوليو، فحدث ولا حرج.
دعوى حرق الكتب وكسر الأقلام هذه تعيدنا إلى عصور الظلام والجهل، عصور إجرام التتار ومحاكم التفتيش، أزمنة الاستبداد، والرأي الواحد المتفرد. فأي انفتاح وأي حضارة وتطور نرجو من فكر يؤمن بأن الحداثة تنبني على طمس الفكر، وتعطيل العقل، وإقصاء الآخر.
سياسة البتر والإقصاء
العقلانية والاتزان الفكري يقتضيان أن الفكرة تواجهها الفكرة، والعقول المنحرفة تواجه بعقول سليمة مصححة لها. والعجز عن ذلك راجع لجهل في عقلية مدعي التصحيح، أو نقص في فكره، أو سوء نية مبيتة عنده. وإلا فما الفرق بين تطرف الجماعات التي تدعي أنها اسلامية، وبين من يدعي أنه ليبرالي تصحيحي حداثي، فكلاهما يعتمد سياسة البتر والإقصاء.
من الإنصاف القول إننا لا ننقص من قيمة الإسلام، ولا من قدر المسلمين، حينما نقول إن الأمة الإسلامية على مر التاريخ قد مرت بمراحل متعددة، بل لا ننكر أنها مرت –وتمر- بمسارات صعود وهبوط، اتصف بعضها بالازدهار والبعض الآخر بالتدني. فهذه سنة الله في خلقه التي افتضاها على كل الحضارات والأمم، ولم يختص بها الأمة الإسلامية دون غيرها.
ولكن مما خص الله به الأمة الإسلامية عن غيرها؛ أن جعل مصادر تشريعها ثابتة قد تعهد سبحانه وتعالى بحفظها. أما طرق فهم واستنباط الأحكام الشرعية من هذه المصادر فمتجددة ومنفتحة. وهذا ما يميزها عن غيرها من الأمم، وهو الأمر الذي جعلها أمة خالدة حتى قيام الساعة.
فعلم الفقه الإسلامي هو المختص بتشريع الأحكام وإصدار الآراء الشرعية، وهو علم قائم على مجهود بشري يبذله أهل العلم والفقه (أهل الاختصاص)، حيث يُعملون عقولهم ويجتهدون في فهم النصوص الشرعية، ويستنبطون منها الأحكام، والفتاوى المتعلقة بالقضايا المطروحة في كل فترة زمنية.
وعلى ذلك، فالمطالبة بالتجديد ليست بالأمر الجديد على المسلمين. فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها)، فالتجديد إذن مبدأ من مبادئ الفقه الإسلامي، ومفهوم إسلامي أصيل. ولكنه لا يتم إلا بأمرين اثنين:
أن يكون التجديد في مدار الفهم والاستنباط، وإدراك أن لكل زمان مستجداته ومتغيراته، وبالتالي له أحكامه وفقهه، وأن التجديد لا يطول مصادر التشريع الثابتة كالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وإنما المقصود الاجتهاد المستمر في فهمها واستخراج الأحكام الشرعية منها. والأمر الثاني، أن يوكل أمر التجديد والاجتهاد لأهله. فلا يكون إلا من فقهاء وعلماء مختصين بهذا العلم، مشهود لهم في المجامع الفقهية، والمراكز العلمية والبحثية، بكفاءتهم وصلاحيتهم لهذا الأمر. وإلا فإن فتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب ضياعٌ للدين لا تجديدا له.
فمن العجب أن نشاهد من لا نعرف له أي دراسة فقهية، أو شرعية، أو حتى علمية، بل كل قد يكون كل ما قدمه في حياته، عبارة عن مشاهد تمثيلية في أفلام ومسلسلات، جعلت منه شخصية اجتماعية تُسمى “فنانا” أو “فنانة”، ومن ثم يظهر لنا على الشاشات وفي برامج “التوك شو”، يجتهد في أمر الدين ويغير من الأحكام ما يشاء، وكيفما يهوى، ويحرف في النصوص، في حين أنه لا يتقن تلاوتها، ومن ثم يدعي أنه يصحح مفاهيم المسلمين حول دينهم.
ترى ماذا سيكون مصير علم الهندسة المعمارية، لو اجتهد شخص لم يعجبه الشكل الخارجي للمباني المعاصرة، فاطّلع على مقال أو مقالين هندسيين، ثم ادعى أنه مجدد علم الهندسة، ونادى بأعلى صوته، يا معاشر المهندسين، أتيتكم بنظريات هندسية أصحح لكم فيها مفاهيمكم وأنور بها عقولكم؟! فهل يقول عاقل بأن عليهم اتباعه وتبني نظرياته؟!
نقول لكل من يدعو إلى تجديد الخطاب الديني أو يتصدر له، نحن معكم، ولكن من لها؟!
____________________
*كاتب وباحث أردني
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
