سليم عزوز يكتب: الخلط بين حرب الروس وحرب الناموس

وحتى لا نظلم مقدمي البرامج في إعلام الثورة المضادة، فإنهم ليسوا أكثر من ضحايا لجهلة يديرون المشهد، والمشكلة أن مقدمي البرامج ينظرون للرتب العسكرية، نظرة الجندي مجند.. يتبع.
![]() |
سليم عزوز*
وليعذرني قومي، فقد صرت أنتظر أن يجن الليل، لكي أشاهد برامج “التوك شو” على فضائيات الثورة المضادة في مصر، فأستمتع بها وكأني أشاهد “أبو لمعة” و”الخواجة بيجو” في عرضهما الفكاهي القديم، الذي كان فيه الأول يقوم بدور “الرجل الفشار” الذي يكذب كما يتنفس، بينما يشد الخواجة في شعر رأسه وهو في حالة غضب على ما يقوله صاحبه ولا يصدقه عقل!
هذا الحرص على المتابعة، مكنني من مشاهدة البث الحي، للحظة التاريخية التي أعلن فيها “أحمد موسى” عن أن الروس لا يمزحون، وهم غير الأمريكان، ثم نقل المقطع الفضيحة عن حرب بوتين على تنظيم داعش لتعزيز ما يقول، فإذا هو لعبة، وقفت من خلالها على أزمة جيل، فليس مقدم البرنامج فقط الذي وقع في هذا الخطأ فالبرنامج به طاقم عمل، تُكتب أسماؤه بعد انتهائه، ومن الملاحظ أن أحداً من هذا الطاقم لم ينتبه لهذا الخطأ الذي تحول إلى فضيحة تغنى بها الركبان، وصارت مثار تندر في صحف غربية، جعلت “سيرة الإعلاميين المصريين على كل لسان”!
وصار علينا، أن نؤكد أن هذا ليس هو الإعلام المصري، ولكنه إعلام “عبد الفتاح السيسي” وتابعه المرشد الروحي للإعلام بعد الانقلاب اللواء “عباس كامل”!
أما أن ما حدث أزمة جيل، فلأن “موسى” والذين معه، لو كانوا يمارسون اللعب على الكمبيوتر لما وقعوا ضحية لمن مدهم بهذا المقطع الجريمة، وهناك أناس يتميزون بالوقار يبثون كلاماً جامداً وأراء جبارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تأتي لأصدقائهم دعوات منهم، لم يرسلوها، بمشاركتهم في لعبة معينة، وقد كنت أعرف زوجة ثكلى تنعى بعلها في “بوستات” منذ أن تستيقظ في الصباح وتكتب عن ذكرياتها العطرة مع الراحل العظيم، وعقب كل “بوست” تترك الأصدقاء يعلقون بالدعاء لها بالصبر والثبات، والتأكيد على أنها أصيلة، لم تهن عليها العشرة، التي لا تهن، كما هو معروف، إلا على “أولاد الحرام”، بينما هى هناك تلعب “المزرعة السعيدة”، في وقت يستشعر فيه من قرأ “البوست” أنها اتخذت قرارها في هذا الصباح بالانتحار لتلحق بالفقيد!
ودعوات المشاركة في “لعبة المزرعة السعيدة” وغيرها، هي دعوات لم يرسلها الراسل، ولكنها تطلق تلقائياً بمجرد البدء في هذه اللعبة!
الحروب الكونية
لا توجد أية وسيلة إعلامية أذاعت هذه اللقطات المذاعة على أنها فاصل من الحرب الروسية على تنظيم الدولة “داعش”، ولا يعقل مثلاً أن تكون الـ “كي جي بي”، أو المخابرات الروسية هي التي أرسلتها مباشرة لبرنامج “موسى”، لتمكنه من الحصول على هذا السبق الإعلامي، فيتميز به على كل وسائل الإعلام في العالم قاطبة، والأمر هنا لا يخرج عن احتمالين. الأول، أن هناك من تلاعب بمقدم البرنامج وفريق عمله، مستغلاً أن كبيرهم ليس أكثر من محرر للحوادث، خدمته الظروف فصار مقدم برنامج تلفزيوني يتحدث في الحروب الكونية. وقد يكون هذا المتلاعب من فريق العمل وقد يكون من خارجه!
الاحتمال الثاني، وهو المرجح عندي أن الفيديو وصل للبرنامج “مع مخصوص”، من قبل من يدير الإعلام المصري الآن وهو سكرتير عبد الفتاح السيسي “عباس كامل”، وقد يكون هو نفسه وقع ضحية لمتلاعب، قرر أن يجعلهم آية، ومثار سخرية وتندر في كل وسائل الإعلام على ظهر البسيطة، فلم تحتف “الجزيرة” فقط بهذه الفضيحة، وإنما عالجتها بعد أن تعرض لها الإعلام الغربي!
لقد وقفنا على المستوى الثقافي للقوم، و”عباس كامل” هو مجرد لواء بالجيش، وليس خبيراً استراتيجيا مثل الجنرال الجهبذ “حسام سويلم” الخبير العسكري، والمحاضر، ومدير معهد ناصر، وهو معهد علمي خاص بالدراسات العسكرية، وقد جلبته “رولا خرسا” في برنامجها لتسأله عن رأيه في حصول “الرباعية التونسية” على جائزة نوبل؟، فأجاب لا فض فوه ومات بالسكتة الدماغية حاسدوه، بأن “الرباعية واحدة ست قدمت خدمات لوطنها”. وإذا كان هذا مستوى “المتعلم” فيهم، فماذا ننتظر ممن هم دونه؟!
في الواقع، وحتى لا نظلم مقدمي البرامج في إعلام الثورة المضادة، فإنهم ليسوا أكثر من ضحايا لجهلة يديرون المشهد، وتكمن المشكلة في أن مقدمي البرامج وهم على جهلهم، ينظرون للرتب العسكرية، نظرة الجندي مجند، أو “عسكري المراسلة” وهو الجندي الذي يختاره الضابط من بين أقرانه ليقوم على خدمته، فيغسل له ملابسه، ثم يجلبه للأعمال المنزلية، ومنها شراء الخضار للهانم، وقد يتحول إلى سائق فتكون مهمته بالإضافة إلى هذا هي توصيل الأنجال إلى مدارسهم ودروسهم وإعادتهم من هناك. و”عسكري المراسلة” رتبة عرفية وليست نظامية، لكنها صارت من التقاليد المتوارثة.
نظرة “الجندي مجند” للرتب العسكرية العليا، هي التي تجعله يظن في حامل الرتبة علماً، أنتجته خبرة “معملية فذة”، فلا يكون أمامه إلا أن ينظر بانبهار لكل ما يقوله سيادة “اللواء أركان حرب”، وإذ ظلمنا “محمد الغيطي”، (وهو محرر فني بالأساس وصاحب خبطات صحفية عظيمة في مجاله، لكن ليست له فتوحات بعيداً عن هذا المجال)، عندما روى حكاية الأسطول السادس الأمريكي، الذي جاء لمصر دفاعاً عن حكم الإخوان، لكن الضفادع البشرية المصرية حاصرته، وقام الفريق مهاب مميش بإصدار أوامره بالقبض على قائده، والذي ربما لا يزال رهن الاعتقال إلى الآن، فلم يتم حتى كتابة هذه السطور نشر ما يفيد إطلاق سراحه، بل إن المدهش أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتوسط له لدى السلطات المصرية ليحصل على الإفراج وكأنه بلا قيمة، وكأنه لا يوجد أهل يريدونه، وكأنه يتيم الأبوين!
التصدي للأمريكان
حكاية قائد الأسطول تستهدف وصم الإخوان بالعمالة للأمريكان، الذين حركوا أسطولهم للدفاع عن حكمهم ولحماية الرئيس “محمد مرسي” كما تستهدف وصف الجيش المصري وقادته بالشجاعة لأنهم تصدوا لهذه الغزوة الأمريكية البربرية الغاشمة في بسالة منقطعة النظير!
وقد اتخذنا المذيع سخرية، فلم نصدق أنه ليس أكثر من ضحية، وأن ما قاله كان نقلاً عن مصدر، وقد أعلنه المصدر بنفسه بعد عدة شهور، وُنشر في الصحف على لسانه، وكان هذا المصدر هو “الفريق” مهاب مميش شخصياً!
عندئذ وقفت على أنه من غير اللائق السخرية من المذيع الذي أعلن أن الإخوان المسلمين هم السبب في سقوط الأندلس، فقد استقر في وجداني أنه لا يردد إلا ما يملى عليه، وهناك جنرال عظيم سيكون هو من أمده بهذه المعلومة الجبارة، التي أوردها بعد أن أقسم بالله بأنها صحيحة، وإن كان المصدر قد حجب عنه معلومة أهم وهي أن الإخوان حضروا صلح الحديبية، وكانوا إلى جانب كفار قريش!
مصنع الجهل العسكري، هو الذي قدم لنا الجنرال “عبد العاطي” الذي أعلن بالزي العسكري، وفي حضور قيادات الجيش و”عبد الفتاح السيسي” نفسه، أنه توصل لجهاز لعلاج الفيروسات “بصباع كفتة” وأوشك جماعة العسكر أن يسحبوا الجنسية المصرية من كل من يسخر من هذا الإنجاز العلمي الهائل!
ولم يتوقف الخبير العسكري الرائد في منطقة الشرق الأوسط، “حسام سويلم” عند حد إعلان أن “الرباعية واحدة ست خدمت بلدها” لكن أعلن في نفس البرنامج عن توصله لنظرية عظيمة، بمقتضاها يمكن للمصريين القلقين على مستقبل نهر النيل أن يناموا وفي بطونهم “شادر من البطيخ الصيفي” كناية عن حسن الاطمئنان، لأن سد النهضة سيقع من تلقاء نفسه، فيغرق إثيوبيا ويغرق معها السودان ويأتي ماؤه إلى مصر محرراً، من القيود والسدود، ليصب في بحيرة السد العالي، عندئذ سيهتف المصريون: “تكبير”!
من هؤلاء القوم، ومن أين جاءوا؟
مهما يكن، فمن يمثلون مصادر للأذرع الإعلامية للانقلاب، فنشاهد هذه الفضائح، التي تذاع عبر من يفتقدون للحد الأدنى من الوعي العام، ولا أقول الثقافة العامة، لا يجدون راحتهم إلا مع مستوى ثقافي معين. ومن الواضح أن هذه “المصادر العليمة”، وجدت عدم قدرتها على توصيل علمها اللدوني للناس عبر آخرين من مقدمي البرامج، يمتلكون الوعي، فتم التخلص من ريم ماجد، وحافظ المرازي، ويسري فودة، وغيرهم رغم أنهم كانوا مع الانقلاب العسكري، لسبب مهم هو أنهم يريدون من يرددون الخزعبلات بثبات الجاهل الذي يُغنيه جهله عن أي علم!
الطابور الخامس
بطبيعة الحال، فإن هناك سبباً أخرا لعملية الإبعاد، هي أن هؤلاء وإن انحازوا للانقلاب فإنهم مع ثورة يناير، والمجال الآن لم يعد يتسع لأولئك الذين يتحدثون عن الثورتين: يناير ويونيو. فالثورة الوحيدة المعتمدة رسميا هي ثورة 3 يوليو، أما من أيدوا يناير فيتم وصفهم بالطابور الخامس!
وقد اختفى ضيوف من برامج “التوك شو”، كانوا إلى وقت قريب، وقبل أن يعلم كل أناس مشربهم، ملء السمع والبصر، وقد افتقدت في متابعتي: عبد الحليم قنديل، وعبد الله السناوي، وعلاء الأسواني، وعبد الجليل مصطفي، ويحيي القزاز، ومحمد أبو الغار، وناصر أمين، فلم يعودوا ضيوفاً على برامج فضائيات الانقلاب، وهم الذين قبلوا الدنية في أمرهم، وقبلوا التحالف مع المرحلة الجديدة، لأنها أسقطت الإخوان، ولم يكن مغرراً بهم كما قلت في بداية الدعوة لـ “30 يونيو”، فقد قال “حمدين صباحي” لأنصاره في دعوته للاحتشاد في يوم الانقلاب الأكبر لا يسأل أحدكم من يقف بجواره هل هو من الحزب الوطني، فما بيننا وبين هذا الحزب خلاف ثانوي وخلافنا الجذري مع الإخوان!
كتبت مبكراً لمن شاركوا في ثورة يناير وانحازوا للانقلاب عليها “أنتم لست أصحاب الليلة ولستم أكثر من ضيوف على هذه الليلة، فالدعوة لإسقاط مرسي لها أصحاب والحاجة لكم هي لمسافة السكة” نعم قلتها نصا. والآن قطع السيسي “مسافة السكة” فلم يعد بحاجة إلى هؤلاء، وصارت البرامج التلفزيونية هي مناظرات بين من شاركوا في يونيو فقط، واختفي “عبد الحليم قنديل” الذي كان يستضيفه “أحمد موسي” فيسرف في مخاطبته بـ “أستاذ أحمد”!
“الأستاذ أحمد” الآن يصف ثوار يناير بأنهم الطابور الخامس، وهو الوصف الذي سبقه إليه “توفيق عكاشة” على نحو كاشف عن أن المصدر واحد، وأنه تعبير عن سياسة حكم، وليس عن انحياز مذيع، وهو المصدر صاحب الفيديو، الذي خلط بين حرب الناموس، وحرب الروس على تنظيم داعش.
قل إعلام العسكر، ولا تقل الإعلام المصري.
____________________________
*صحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
