عبد الرزاق قيراط يكتب: سكرات على نخب المصالحة.

السياحة بلا خمر، “بدعة وضلالة” عند المعارضين المطالبين بالسرور الذي ذكره الشاعر أبو نواس في خمريّاته حيث وصف ابنة العنب قائلا: “صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها. يتبع
![]() |
*عبد الرزاق قيراط
لا معنى للسياحة في تونس إلاّ بالرّاح والأقداح. فإذا غابت عن الفنادق، تــفقد السياحة معناها.
وعلى أساس ذلك المنطق، هُوجمت في الفترة الأخيرة ظاهرة جديدة تمثّلت في كراء (ايجار) بعض النزل لتقدّم خدماتها حصريّا للعائلات “التونسيّة المحافظة” التي ترفض العري وتمتنع عن شرب الخمور. فوجدت ضالّتها في منتوج سياحيّ عملت بعضُ وكالات الأسفار على توفيره وفق الشروط والمعايير التي تتلاءم مع قناعات تلك الشريحة في مجتمع “لغته العربيّة ودينه الإسلام” كما جاء في الدستور الجديد. وقد كتبه النوّاب على مهل بسبب التجاذبات الإيديولوجيّة التي يسهر الخلق جرّاها ويختصمُ حتّى كادت تؤجّل المصادقة عليه إلى حين دخول الجمل في سمّ الخياط.
السياحة بلا خمر، “بدعة وضلالة” عند المعارضين المطالبين بالسرور الذي ذكره الشاعر أبو نواس في خمريّاته حيث وصف ابنة العنب قائلا: “صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها// لوْ مسّها حجرٌ مسّتْهُ سرّاءُ”.
ومع أنّ “البدعة” ساهمت في التخفيف من حدّة الأزمة التي ضربت قطاعا حيويّا بسبب العمليات الإرهابيّة الأخيرة، ارتفعت أصواتٌ مناوئة تطالب بمنع ذلك النشاط “المذموم” الذي لا يعرفه آباؤنا الأوّلون, وشَنّت حملاتٍ لإدانة تلك “السياحة الحلال” باعتبارها تمثّل تهديدا مباشرا للنمط الثقافيّ السعيد الذي ألِــفه الشعب التونسيّ طوال العقود الماضية من أيام بورقيبة وبن علي.
وعلى ذلك المنوال سكتت حركة النهضة الإسلاميّة (مكرهةً على الأرجح)، لمّا حكمت بعد الثورة في غفلة من التاريخ، ولم يدم لها الحكم إلاّ بضعة شهور لا تكفي لقطع جذور الدولة العميقة التي سقتها الخمرة سنين طويلة، حتّى أنّ الشيخ راشد الغنوشي، طمأن الخائفين من استبداد دينيّ توقّعوه في صورة وصول حزبه إلى السلطة، فأكّد للداخل والخارج أنّ النهضة لا تخطّط لمنع النساء من السباحة بالمايوه.
وهكذا تبنّى موقفا تقدّميّا في حديث مطوّل لصحيفة “تايمز”، حيث قال: “إنّه إذا تولّت النهضة السلطة في تونس فإنّها لن تمنع الخمور أو النساء من ارتداء البكيني في الشواطئ.” وقد صدق الشيخ، والتزم مع صَحَابَتِهِ بذلك الوعد الانتخابيّ، فوصلوا إلى الحكم وتركوه، “وما بدّلوا تبديلا”.
ولأنّها نجحت في ذلك الامتحان، تشارك النهضة في الحكم ثانية، بعد أن خلعت عباءة الخطاب الدينيّ المتشدّد، ونأت بقياداتها عن منابر الفتنة ومزالق الاستقطاب، مركّزة جهودها على مبدأ التوافق مع حزب “النداء” في سبيل ما يرجى من “تهدئة واستقرار” للخروج تدريجيّا من واقع البؤس الذي تعيشه البلاد.
الاستعراض الفلكلوري
فتونس تتصدّر اليوم قائمة الدول الفاشلة الأكثر تعاسة في العالم، بسبب التضخّم وارتفاع معدّلات البطالة. والأحزاب الحاكمة في سباق مع الزمن لتقديم وصفاتها التي ستعجّل بالقضاء على أسباب شقاء التونسيّين. وفي هذا السياق تدافع حكومة الصيد، ومؤسّسة الرئاسة عن قانون المصالحة مع رجال الأعمال الذين تورّطوا في قضايا فساد لحثّهم على الاستثمار حتّى يساهموا في تشغيل العاطلين، بينما تحذّر المعارضة من ذلك الانحراف السياسيّ الخطير. وقد نظّمت مسيرة للتنديد بذلك المشروع، والمطالبة بمحاسبة الفاسدين قبل التصالح معهم في إطار قضائيّ نزيه وضمن قوانين العدالة الانتقاليّة.
لكنّ المسيرة كانت أشبه باستعراض فلكلوريّ فاشل، طغت عليه الشعارات الجوفاء التي استهلكت خلال سنوات الانتقال الديمقراطيّ الأعرج، وأثناء الحملات الانتخابيّة الزائفة. واللافت أنّ المعارضة لم تنسّق فيما بينها لإنجاح تحرّكها في شارعٍ تريد السلطةُ استرداده بقوّة الهراوة ولغة التهديد والتخويف من عمليات إرهابيّة كبيرة.
وهكذا تحوّلت تلك المسيرة “المزلزلة” حسب توصيف من دعا إليها إلى مسيرات صغيرة متفرّقة، تقودها أحزاب متنازعة عجزت عن تجميع حشدها المتواضع في صفّ واحد. فكانت مناسبة لظهور بعض الوجوه التي اختفت إثر هزيمتها في الانتخابات الرئاسيّة السابقة على غرار مصطفى بن جعفر من حزب التكتّل، وحمّة الهمامي زعيم الجبهة الشعبيّة الذي زار الرئيس السبسي قبل الخروج للتظاهر؛ فساهم بذلك السلوك التصالحيّ بين الحاكم والمعارض في إفشال التحرّك الاحتجاجيّ والتأثير على مصداقيّة الشعارات التي رفعت خلاله.
وبناء عليه، يمكن القول إنّ ذلك الفشل سيعجّل بالمصادقة على قانون المصالحة الاقتصاديّة. وقد هُيّئت لتمريره أسباب وظروف وإجراءات بدأت بإعلان الحرب على الإرهاب، وفرض حالة الطوارئ، وتُوّجت أخيرا باتفاق “السلم الاجتماعيّ” الذي أبرمه رئيس الحكومة الحبيب الصيد مع النقابات، مؤكّدا أنّ تلك الهدنة التي ستمتدّ على سنتين كفيلة “بتشجيع المستثمرين التونسيّين والأجانب على بعث المشاريع وإيجاد حلول لمعضلات وملفّات عالقة عطّلت الاقتصاد الوطني”.
ولأنّ السياسة لا تخضع لمنطق الصدفة، فإنّ الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء وتلقّفته المواقع الإخباريّة التونسيّة يساهم في الدعوة إلى التسريع بتلك المصالحة، حيث تضمّن تفسيرا عجيبا لانحدارنا إلى ذلك المستوى من البؤس بالقول إنّ البلاد “تواجه بعد ثورة 2011 عددا من الصعوبات تتمثّل في إقناع رجال الأعمال بالاستثمار في تنمية البلد”.
وبذلك التفسير ينكشف الغطاء، وتكتمل الصورة بتفصيلاتها الصغيرة، فاستبشروا أيها التونسيّون واشربوا “الصفراء” على نخب المصالحة مع الفاسدين والمرتشين الذين عاثوا في الأرض فسادا، وعادوا اليوم لإصلاحها!
________________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
