د. طارق الزمر يكتب: لماذا لفظهم الشعب؟!

رسالة قوية لكل القوى السياسية المخلصة: أن الشعب لايزال حاضرا وأنه ينتظر لحظة الوثوب لإنقاذ البلاد من الديكتاتورية والفساد فإذا أردتم ألا تفوتكم هذه اللحظة فاستعدوا بالاصطفاف

د. طارق الزمر*

برغم أن الانتخابات البرلمانية المصرية تشهد بطبيعتها أكبر نسبة أقبال مقارنة بأي انتخابات أخرى، وبرغم أنها قد شهدت بعد ثورة يناير أكبر نسبة أقبال مقارنة بأي انتخابات أخرى في تاريخ مصر حيث تدافع على الصناديق أكثر من 32 مليون مصري محققين رقما عالميا وليس محليا فحسب.. إلا أنها شهدت في أول انتخابات برلمانية بعد الانقلاب هذا العزوف الكبير الذى سيقف أمامه الجميع يدرسون ويحللون لأننا في الحقيقة أمام “ثورة جديدة” امتدادا للثورة الأم ثورة يناير وهى ثورة ابتدعها الشعب المصري في مواجهه آلة القمع وعمليات النهب ومحاولات سرقة الإرادة الشعبية بعد سرقة لقمة العيش
والحقيقة أن رافضي الانقلاب العسكري لم يفاجأوا بهذا العزوف شبه الكامل عن الصناديق رغم كل العوامل والاغراءات والتهديدات التي أتاحها النظام لمتعهدي البرلمانات كي يمارسوا دورهم وما أتاحه لهم من استغلال حاجة الفقراء الذين هم غالبية الشعب، وما وفره لهم من وسائل ابتزاز الناخبين والضغط على كرامتهم.. وذلك لأن الإحساس بالكرامة التي فجرتها ثورة يناير في وجدان المصريين لاتزال كامنة في الصدور متربصة بكل من يتعالى على الشعب أو يحاول امتهانه أو سرق إرادته.
لكن هل فوجئ النظام وأركان حكمه بهذا العزوف أم أنه كان يتوقعه؟ هنا يجب أن أؤكد أن الطغاة يحتقرون شعوبهم ولا يتصورون لهم كرامة ومن ثم يتخيلون أنهم يتلاعبون بأحلامهم وآمالهم ويغسلون أدمغتهم بأي شيء حتى لو كان ماءً ملوثا كالذي يسقونه لهم.. لكن مكر الله بالطغاة يكمن حقيقة خلف هذا الطغيان الذى يعمى ويًـصم عن كل الحقائق فينقلب السحر على الساحر في لحظات تكون هي صاحبة القول الفصل في تقرير مصير الأمم وتحديد وجهتها ورسم مستقبلها.
وهنا يجب أن نقف عند الأسباب الحقيقية لرفض الشعب لهذه الأوضاع واعلانه الثورة عليها من جديد:
وأولها: رفض عملية الاستغفال التي يمارسها الطغاة بحق شعوبهم حيث يلقون بأصواتهم في البحر وربما في أماكن أكثر وضاعه ثم يجيئون إليهم بصناديق أخرى يقولون لهم صوّتوا من جديد فلم يعجبنا تصويتكم !!
وثانيها: رفض عملية النصب التي تترجمها هذه الانتخابات بأوضح عبارة حيث تتطلب التصويت على ذات النظام الذى خرج عليه الشعب في 25 يناير وياللعجب فذات الأشخاص (العواجيز) الذين أذلوا الشعب على مدى ثلاثين عاما وسرقوا لقمة عيشه ووقفوا يتفرجون عليه يأكل من القمامة , ها هم يعاودون الكرة وكأنهم لا يتلذذون إلا بالرشف من دماءه.

وثالثها: اعتراضا على الأداء السياسي الرديء الذى ظهر به الحكام وأعوانهم وأجهزتهم وأبواقهم الإعلامية وهو أداء لا يرجع لطبيعة نظم الطغيان والفساد فحسب، بل زاد عليها احتقار الشعب وعدم الاحتفاء بمعاناته و اهتماماته ومشاغله أو مشاكله, فهم جاءوا لمهمة محددة أعمتهم عن كل مهام الدولة وواجبات النظم الرشيدة وهى مهمة السطو على الثروات وربما تجفيف منابعها هذه المرة.
ورابعها: اعتراضا على القمع المفتوح والاعتقال الواسع النطاق واستباحة الدماء التي لم تشهدها مصر من قبل وهو ما دخل كل بيت ولم يًـحرم منه شارع فضلا عن كل قرية أو مدينة وهو ما أحال أحلام الأمهات إلى كوابيس وملاعب للأطفال إلى سرادقات عزاء, وأصبحت نزهة الزوجات الوحيدة هي الطوابير أمام السجون والمعتقلات
خامسها: احتجاجا على تردى الأوضاع المعيشية للمواطن والتي بلغت درجات خطيرة في العديد من المحافظات وذلك في كل المجالات ابتداء من الخدمات ومرورا بالأسعار والبطالة ووصولا للأجور والمرتبات والمعاشات بل والعدوان على موظفي الدولة بواسطة قانون الخدمة المدنية.

سادسها: رفضا للعدوان على الشباب والذين هم غالبية المجتمع ولهذا فلا غرابة أن يكونوا هم قاطرة المقاطعة وهو ما وضح جليا منذ مقاطعتهم لانتخابات الرئاسة.. ومظاهر العدوان على الشباب كثيرة لا تغفلها عين إبتداءً من قطع الطريق أمام مستقبلهم وإغلاق الباب أمام كل طموحاتهم واعتقال السياسيين منهم من كل التيارات وقتل المتظاهرين ومطاردة الألتراس، بل إنك لن تخطئ إذا قلت: أن كل التحولات الجارية في مصر إنما تستهدف طحن الشباب وسحقهم حتى لا يكون هناك احتمال لثورتهم مرة أخرى.
سابعها: تنديدا بأحكام الإعدام بالمئات والتي أصبحت محلا لتندر العالم وسخريته من “أم الدنيا” وهى أحكام لم تقف أمام شيء ولم تحترم شيئا فكانت صادمة لشعور الشعب وصادمة لحلم ثورته في 25 يناير, وكان على رأس هذه الصدمات الحكم بإعدام أول رئيس ينتخبه الشعب بشكل حر وهو ما لا يعنى سوى رسالة احتقار للشعب الذى انتخبه فضلا عن الحكم بإعدام النساء ومئات الشباب النابغ.
ثامنها: اعتراضا على عملية الاستخفاف بالدستور بعد أن تم الترويج له بشكل غير مسبوق واعتباره أعظم دستور في العالم وربما في التاريخ ثم يأتي تصريح كبيرهم ليهدم كل ما تم الترويج له وتسارع أبواقه للتبرير القبيح لتعديله بل وجعل هذا التعديل هو أهم أولويات البرلمان.

تاسعها: ردا بليغا مفحما للإعلاميين الذين يصرخون على مدى أكثر من عامين كي يركع الجميع للمنقذ الجديد ويذعنوا لكل ما يقول ويسلموا بسيادته المطلقة, فجاء الرد قاسيا عليه وعليهم ولا سيما أنه قد ناشد الشعب بنفسه أن يشارك في التصويت.
عاشرها: رسالة قوية لكل القوى السياسية المخلصة: أن الشعب لايزال حاضرا وأنه ينتظر لحظة الوثوب لإنقاذ البلاد من الديكتاتورية والفساد, فإذا أردتم ألا تفوتكم هذه اللحظة فاستعدوا بالاصطفاف حول هموم أمتكم وقضايا ومشكلات شعبكم..

__________________________

* رئيس حزب البناء والتنمية المصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان