عبده مغربي يكتب: تحالف الاستيلاء علي الغاز المصري

عبده مغربي*
القضية جد خطيرة، وتكشفت أبعادها بإعلان الشركة المصرية القابضة للغازات الطبييعة “إيجاس” يوم الثلاثاء 6 اكتوبر 2015 عن فوز أربع شركات عالمية بحقوق التنقيب عن النفط والغاز في أربعة قطاعات بالبحر المتوسط باستثمارات بلغت 306 ملايين دولار ومنح توقيع 10.5 مليون دولار وذلك لحفر 8 آبار. وقال رئيس  شركة إيجاس “خالد عبد البديع” : إن الشركات الفائزة في المزايدة العالمية هي : تحالف شركة بي.بي البريطانية وايوك المصرية التابعة لإيني الإيطالية للتنقيب في القطاع “رقم 4” شمال رأس العش البحرية،  وائتلاف لشركات “ايوك” و “بي.بي” و “توتال الفرنسي”  للقطاع “رقم 7” شمال الحماد البحرية و “أديسون الإيطالية” للقطاع “رقم12″ شمال شرقي حابي البحرية، و ” بي.بي” للقطاع “رقم 14” شمال الطابية البحرية.
 هنا تجدر الإشارة إلي أن  “إيني” الايطالية في مصر  تعمل من خلال شركة “ايوك” التابعة لها وكانت قد أعلنت مع شركة “إيني” الإيطالية يوم الأحد 31 أغسطس الماضي عن اكتشافها أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط وقالت إنه سيكون واحداً من أكبر حقول الغاز في العالم إن لم يكن الأكبر علي الإطلاق، وهو الحقل الذي يقع في المياه الإقليمية المصرية علي بُعد 190 كلم شمال شرقي سواحل بورسعيد، في منطقة امتياز الشروق، وقالت أن سُمك الطبقات الحاملة للغاز في هذا الحقل  تصل إلي600 متر، في حين أن اكبر سمك للطبقات الحاملة للغاز التي تم إكتشافها في السابق بمصر لم يتجاوز 30 مترا.
القصة أن شركة “إيني” الإيطالية بعد أن مَن الله عليها وعلي مصر بهذا الكشف العظيم، أرادت أن تبيع ثروة مصر لحسابها وعلي مزاجها فراحت توزع ثروات الشعب المصري وكونت  لأجل ذلك تحالفين: الأول مع “بي بي البريطانية” والثاني مع “بي بي البريطانية وتوتال الفرنسية” وحصلت علي امتيازين لحقوق التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط هما الامتياز الخاص بالقطاع رقم”4″ شمال رأس العش بالإشتراك مع “بي بي البريطانية”، و الامتياز الخاص بالقطاع “رقم 7” شمال الحماد بالإشتراك مع “بي بي البريطانية وتوتال الفرنسية”، فيما حصلت  شريكتها “بي بي البريطانية” علي امتياز خالص لنفسها بالقطاع “رقم 14” شمال الطابية البحرية. وإضافة لهم فقد أتت “أديسون الإيطالية” لتحصل لنفسها علي امتياز حق التنقيب عن النفط والغاز في القطاع “رقم 12” شمال شرقي حابي.
 وقد يقول قائل وأين المشكلة في ذلك؟
 الإجابة ببساطة  هي أن هذه العقود التي أبرمتها شركة “إيجاس” بمبلغ 306 ملايين دولار تعتبر إهداراً واضحاً واستيلاءً ظاهراً علي ثروة الشعب المصري، وأن هذه العقود علي هذا النحو ما هي إلا هبة مجانية لهذه الشركات من وزارة البترول المصرية، تستطيع بموجبها هذه الشركات أن تعيد بيع هذه العقود إلي الشركات الكبرى القادرة علي العمل فعلياً في المياة العميقة بمناطق الامتياز وذلك بأضعاف أضعاف أضعاف ما ورد بالعقود التي تم توقيعها قبل أيام.
يعلم خبراء البترول جيداً أن الأباطرة الكبار في هذا المجال يعملون وفق اتفاقات أخرى فيما بينهم غير تلك التي يتم الإعلان عنها في الصحف وأمام وسائل الإعلام. ويعلم خبراء البترول أيضاً أن تكلفة البئر الواحدة في المياة العميقة مثلما الحال في مناطق الامتياز التي تم إسنادها الأسبوع الماضي إلي الشركات الأربع تتكلف ما بين  200 و 250 مليون دولار، فكيف يمكن إستيعاب أن مبالغ الاستثمار  للشركات الأربع  الحاصلة علي حقوق التنقيب عن النفط والغاز في جميع مناطق الإسناد هي 306 ملايين دولار فقط، وهي مبالغ لا تكفي لتكلفة أكثر من بئر واحدة؟ّ
نعم الموقف قد يبدو غامضاً الآن أمام القارئ، لكن من  المؤكد أنه ليس كذلك أمام الخبراء الذين يعرفون  جيداً أن شركة “أديسون” الإيطالية هي مجرد شركة كهرباء دخلت مجال التنقيب عن النفط والغاز وانحصر مجال عملها في الأعماق البسيطة وأنه لا خبرة لديها في التنقيب بالمياة العميقة. كما يعلمون أيضاً أن شركة “بي بي البريطانية” لها سابقة غريبة في مصر حيث حصلت علي حقوق التنقيب في قطاع شمال إسكندرية منذ عدة سنوات ولم تقم بأية أعمال في منطقة الامتياز، فقط تقوم من فترة إلي أخري بتحسين شروط التعاقد لكي تقوم في النهاية بإعادة طرح العقد للبيع إلي الشركات الأخري في عملية سمسرة واضحة تستند فيها إلي خبرتها وعلاقاتها بالمسئولين في وزارة البترول المصرية، إنها كمن حصل علي عقد أرض وتركها فضاء، لحين بيعها بعد ذلك بأضعاف قيمتها.
إننا أمام عملية سمسرة واضحة تتم علي ثروة مصر من الغاز الطبيعي، تمت بتوقيع وزير البترول المصري “طارق المُلا” حيث كان من باب أولي بعدما تعاظمت القيمة الاستثمارية للتنقيب عن الغاز والنفط بالبحر المتوسط  عقب الكشف الأخير لـ” إيني” أن تقوم مصر بوضع حد ادني لمبالغ الاستثمار المخصصة للبحث والتنقيب بهذه المناطق الاربع التي تعاظمت قيمتها الاستثمارية، وكان من باب أولي أيضاً إستدعاء الشركات  الكبري التي لديها خبرة بالمياة العميقة للتباحث معها مباشرة بدلاً من عمليات السمسرة التي تقوم بها شركة “إيني”  الآن والتي أرسلت إلي شركة “إيكسون” لكي تشاركها في الحقل المُكتشف، فإذا كانت “إيني” غير قادرة علي تشغيل حقلها “ظُهر”المُكتشف مؤخراً بمفردها، فكيف يتم إعطاؤها  هي ورفاقها  حقولاً أخري  تؤكد جميع الشواهد أنهم ليسوا أكثر من سماسرة أعطيناهم حقوق المضاربة علي ثروات المصريين وليس أدل علي ذلك من ضآلة المالبغ المستثمرة والتي لا تكاد تكفي حفر بئر واحدة، في مناطق امتياز تُقدر الفرص الاستثمارية فيها بعشرات المليارات من الدولارات حسب ما تم إعلانه من بيانات.
إن عملية الإسناد  التي حصلت عليها الشركات الأربع قبل أيام ووقعها وزير البترول المصري “طارق المُلا” تمت بعلم رئيس الوزراء “شريف إسماعيل” فكيف لرئيس الوزراء وقد كان قبلها وزيراً للبترول أن يقبل بتوقيع هذه العقود وهو يعلم أن مبالغ الاستثمار التي جاءت فيها لا تكفي لبئر واحدة؟ّ! سؤال نصرخ به إلي الأجهزة الرقابية في مصر، ومن قبلها الأجهزة السيادية، ومن قبل القبل إلي رئيس الجمهوية أن يعيد النظر في هذه العقود خاصة  وأنها ما تزال في طورها الذي يسمح بإلغائها كونها لم تُعتمد بعد من البرلمان، والذي – يا للكارثة – نعلم جميعاً أن مكوناته التي تبدو في الأفق تقول إنه لن يراجعها بل سيوافق عليها جملة واحدة بدون مناقشة كما سبق وتعهد بذلك من تعهد، وقال من قال بأنهم لن يعارضوا الحكومة بل سيكونون سنداً لها.
 إنها الكارثة التي تتم بحق شعب يعلم الجميع أنه في أمس الحاجة إلي كل جنيه يساعده في الخروج من عثرته الإقتصادية، إننا أمام عقود أصبح من المؤكد أنها ليست أكثر من مجرد عقود سمسرة وليست بحال من الأحوال عقوداً استثمارية.
 اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

_________________________

* كاتب وصحفي مصري
 
 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان