عبير الفقيه تكتب من إسبانيا: تنامي ظاهرة رفض الغزو الأوروبي!

يحتفل سكّان أمريكا وخصوصا ولايات أمريكا الشّماليّة بيوم كريستوف كولومبوس تفاخرا بالأصول الأوروبية حتى و لو جاءت غازِيَةً، وهو ما يضمر محاولة نسف تاريخ السّكان الأصليّين للقارّة الجديدة
![]() |
عبير الفقيه*
ينصّ دستور إسبانيا على أن يوم 12 تشرين الأوّل/ أكتوبر من كل سنة هو التّاريخ الرّسمي لعيدها الوطني. وهو اختيار لم يكن اعتباطيا. ويطلق على هذا اليوم” اليوم الإسباني” أو “يوم كريستوف كولومبوس”.
و ترْفًعُ التّسمية كلّ لبس في فهم هذه المناسبة. فـاكتشاف القارّة الأمريكية من طرف الرّحالة كريستوف كولومبوس ارتبط تاريخيّا بسنة 1492 وتمّ اختيار يوم 12 تشرين الأوّل/ أكتوبر كتاريخ رمزيّ للاحتفال ببطولات الإمبراطوريّة الإسبانية آنذاك في محاولة لإحياء أمجادها المنقضية في العقول.
فمن جهة، دأب الإسبان على التّباهي بهذا اليوم التّاريخي على أساس ان الرّحالة كولومبوس غادر السّواحل الإسبانية الى الغرب و تمكّن من فتح باب قارّة بأسرها ونجح هو و من وراءه في أسبنتـها ، ويحتفل سكّان أمريكا و خصوصا ولايات أمريكا الشّماليّة بيوم كريستوف كولومبوس تفاخرا بالأصول الأوربية حتى و لو جاءت غازِيَةً، وهو ما يضمر محاولة نسف تاريخ السّكان الأصليّين للقارّة الجديدة.
ومن جهة أخرى تتعالى أصوات التبرّؤ من معاني البطولة والمجد التي تصدّرت هذا التّاريخ على مدى قرون، وتعمل جاهدة سواء من داخل إسبانيا أوفي الأمريكيتين على كشف المجازر التي نفّدها الغزاة الأوروبيون في حقّ السّكان الأصليّين. مجازر تصنّفها كتابات تاريخيّة في خانة “التّصفية العرقيّة”. وتدعمها بإثباتات موثّقة لجرائم نهب اقتصاديّ فاضح واستنزاف لخيرات الأرض الأمريكيّة في سبيل تصديرها الى أوروبا، باعتبار انّ كريستوف كولومبوس قد دخل التّاريخ من بابه الكبير بفضل رسْمه لطريق العودة على عكس الرّحالة السّابقين الذين غادروا السواحل الأوروبية نحو الغرب و لم يتمكّنوا من العودة.
التيّارات المستنكرة للاحتفال بذكرى 12 تشرين الأوّل/ أكتوبر على أساس أنّه مناسبة بطوليّة تنامت في السنوات الأخيرة. ففي إسبانيا، يعمل قادة الأقاليم المطالبة بالاستقلال والشّخصيات الثقافية الدّاعمة لها الى نقد اختيار الحكومة المركزية في مدريد لهذا التّاريخ و النص في الدّستور على أنّه العيد الوطني لإسبانيا. نقدٌ وصل بكثير من السّياسيّين المعارضين للحزب اليميني الحاكم والذين فرضوا أنفسهم في المشهد السّياسي مؤخّرا الى الدّعوة الى تغيير يوم العيد الوطني لإسبانيا بعيدا عن هذه الذّكرى “المخجلة”، وبتعبير رئيسة بلديّة برشلونة القادمة من زخم الأحزاب الثّائرة، بما أنّ حرصهم على تخليد ذكرى كريستوف كولومبوس كبطل إسباني لا يستقيم مع حقيقته كغازٍ ومحتلٍّ. وامتدّ الاستنكار الى مدى أبعد من التّصريحات، إذ قاطع إقليم الباسك وإقليم كاتالونيا أساسا احتفالات هذه السّنة، ورفض قادة الإقليمين حضور المناسبة في مدريد. وهي مواقف مفهومة في ظلّ تنامي الأصوات المطالبة بالاستقلال في هذه المناطق.
أمّا عن بقيّة الدّول الناطقة بالإسبانية إجمالا والتي يصل مجموع شعوبها الى 420 مليون نسمة تقريبا دون حساب 47 مليون مواطن إسباني فهي تتجاوز موجات الاستنكار التي تعصف بالمجتمع الإسباني من تخليد ذكرى “يوم كريستوف كولومبوس”. إذ امتدّت مجهودات بعض مؤرّخيها (مدعومين من طرف التيّارات اليساريّة المتنامية في أمريكا الجنوبية) الى الكشف عن المغالطات التّاريخية التي سعت الى تغليف الجرائم التي ارتكبها الغزاة في حقّ الحضارات السّابقة بقيادة كريستوف كولمبوس و من تلاه و تصويرها على أنها كانت بطولات و أمجاد لم تتلطّخ بالدّماء. خطوات جريئة تطالب بمراجعة التّاريخ و ترفض تجميل الغزو الأوروبي للقارّة الأمريكية منذ ما يزيد عن خمسة قرون. من ذلك أنّ جلّ هذه البلدان لا تعترف حتّى بتسمية يوم 12 تشرين الأوّل/ أكتوبر بـ” اليوم الإسباني” او “يوم كريستوف كولومبوس”، ففنزويلا مثلا تطلق عليه اسم “يوم المقاومة”، و هو ” يوم العرق/ الجنس” في الاكوادور و كولومبيا؛ في تأكيد على تعدّد الأجناس التي سكنت المنطقة
أمّا في الأرجنتين و تشيلي فنًبْرَة التّعامل مع ذكرى كريستوف كولومبوس تعتبر هادئة، اذ إن تسمّيه الأولى “يوم التنوّع الثقافي”، و الثّانية ” يوم التقاء عالمين”. و تحتفل به ولايات أمريكا الشّمالية الى حدود إغراق الشّوارع بالزّينة و مظاهر الفرح تباهيا بـ” خمسة قرون و نيف” من الوجود. ومهما تحرّكت الأصوات المعارضة للتوجّه العام للشارع الأمريكي محتشمة .
إجمالا يمكن القول إنّ الحقائق التّاريخية وإن طمرتها الحضارات المنتشية بغزواتها و بطولاتها على حضارات ضعيفة يوما ما، لابدّ لها أن تطفو على السّطح ولو بعد قرون، وما يزيدها قيمة ومصداقية هو أن تأتي من داخل مجتمعات الامبراطوريّات الظّالمة في حدّ ذاتها.
مبادرات و خطوات تثبت أنّ “الأخلاق” حقيقة و ليست رهينة الأحلام الجميلة. مبادرات أجبرت بابا الفاتيكان في صيف 2014 الى الاعتذار عن موجة التنصير التي سُلّطت على سكّان أمريكا الأصليين من قبل الغزاة الأوربيين منذ ما يزيد عن 500 سنة، أريقت فيها دماء بريئة كثيرة.
______________________________
* كاتبة تونسية تقيم في إسبانيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
