ممدوح الولي يكتب: الاقتصاد الروسي هل يتحمل نفقات حربين ؟

مركز روسياالتجاري تأخر حين احتل المركز الرابع عشر بالتجارة السلعية الدولية ، والمركز الثامن عشر بالتجارة الخدمية الدولية
ممدوح الولي*
![]() |
في أعقاب النزاع المسلح بين روسيا وأوكرانيا ، زادت حدة العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأمريكية على روسيا ، حتى إن انخفاض أسعار البترول يرى الكثيرون أنه تم من أجل الإضرار بالاقتصاد الروسي المعتمد كثيراً على صادرات النفط .
وبالفعل تأثر الاقتصاد الروسي كثيراً ، حيث انخفضت قيمة الروبل الروسي ، وزاد خروج الأموال ، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية ، وزادت معدلات التضخم حتى بلغت 8ر15 % في أغسطس الماضي، مما أدى لزيادة أسعار الفائدة ، وتراجعت قيمة الصادرات .
ورغم تلك الظروف الاقتصادية الصعبة ، فقد اتجهت روسيا للمشاركة بجهد أكبر في العمليات العسكرية في سوريا ، وهنا يثور التساؤل هل يتحمل الاقتصاد الروسي تبعات المشاركة في حربي أوكرانيا وسوريا في وقت واحد ؟
خلال العام الماضي احتل الاقتصاد الروسي المركز العاشر دوليا من حيث الناتج المحلى الإجمالي ، بسعر الصرف بنسبة 4ر2 % من الاقتصاد الدولي ، إلا أن حسابات أخرى للناتج المحلى الإجمالي ، تستند الى تعادل القوى الشرائية احتل خلالها الاقتصاد الروسي المركز الخامس عالميا .
لكن مركز روسيا قد تأخر في مؤشرات أخرى حيث احتل المركز الرابع عشر بالتجارة السلعية الدولية ، والمركز الثامن عشر بالتجارة الخدمية الدولية .
وتعد نقطة القوة الرئيسية للاقتصاد الروسي هى صادراته من البترول الخام ومنتجاته ، ومن الغاز الطبيعي والمعادن والحبوب والآلات والمعدات والأسلحة المتقدمة ، وهكذا مثلت صادرات الوقود من البترول والغاز الطبيعي حوالى ثلثي قيمة الصادرات السلعية بالسنوات الماضية .
ولهذا حقق الميزان التجاري السلعي فائضا ضخما بلغ 189 مليار دولار العام الماضي ، وهو الفائض الذى يستوعب العجز المستمر بالتجارة الخدمية الروسية ، وكذلك العجز فى ميزان التحويلات، ليحقق الميزان الكلى للمدفوعات فائضا مستمرا ، انعكس على وجود احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية
كما أنشئت عدة صناديق سيادية اعتمادا على الفوائض النفطية ، منها صندوق الاحتياط البالغ قيمة أصوله 89 مليار دولار ، وصندوق الثروة الوطنية البالغة أصوله 80 مليار دولار ، وصندوق بلغت أصوله 13 مليار دولار، كما توسعت الشركات الروسية في الاستثمارات الأجنبية المباشرة خارج البلاد .
ولأن روسيا تحتل المركز الثاني عالميا في صادرات البترول الخام بعد السعودية ، والمركز الأول عالميا في صادرات الغاز الطبيعي ، فإن خفض سعر البترول أثر عليها بشكل كبير، فاذا كان سعر برميل النفط قد انخفض من متوسط 96 دولارا خلال العام الماضي ، الى 46 دولارا للبرميل في أغسطس الماضي .
فقد انخفض سعر المليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي الروسي في ألمانيا ، من 2ر11 دولارا عام 2013 ، الى 5ر10 دولار بالعام الماضي ، لينخفض الى 7ر6 دولارا خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين .
وانعكس ذلك على قيمة صادرات الوقود لتنخفض من 89 مليار دولار بالربع الثاني من العام الماضي، الى 82 مليار دولار بالربع الثالث من العام الماضي ، ثم تواصل تراجعها الى 70 مليار دولار بالربع الرابع من نفس العام ، ثم انخفض الى 54 مليار دولار بالربع الأول من العام الحالي حسب بيانات البنك المركزي الروسي .
وأدى تراجع أسعار الحبوب والمواد الخام الزراعية والمعادن الى تأثر قيمة الصادرات الروسية غير البترولية ، كما تراجع الاستثمار الأجنبي الداخلي المباشر من 69 مليار دولار عام 2013 ، الى 21 مليار دولار خلال العام الماضي ، وهو رقم غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة والتي لم يقل خلالها عن الأربعين مليار دولار .
وحتى تتأقلم روسيا مع تراجع قيمة صادرات الوقود ، والتي انعكست على تراجع قيمة الصادرات الكلية لها ، فقد تراجعت قيمة الواردات السلعية بداية من النصف الثاني من العام الماضي ، كما قللت من وارداتها الخدمية سواء بالسياحة أو النقل أو بالخدمات الأخرى من الربع الأخير من العام الماضي.
وقامت بالسحب من احتياطياتها الدولية ، لتنخفض من 510 مليار دولار بنهاية عام ،2013 الى 5ر385 مليار دولار بنهاية العام الماضي ، لتواصل انخفاضها خلال شهور العام الحالي لتصل الى 358 مليار دولار في يوليو الماضي
إلا أن صندوق النقد الدولي توقع تراجع معدل نمو الاقتصاد الروسي من 7ر0 % بالعام الماضي ، لتحقيق نمو سلبى بنسبة 9ر2 % بالعام الحالي ، على أن يعاود الاقتصاد النمو بنسبة 1ر0 % فقط خلال العامين القادم وبعد القادم ، كما توقع الصندوق ارتفاع نسبة العجز بالموازنة الروسية الى 7ر3 % بالعام الحالي واستمرار العجز بالعام القادم بنسبة 6ر2 % .
ورغم تدنى مستوى المعيشة في روسيا بالمقارنة بالدول الغربية ، حيث بلغ متوسط نصيب المواطن من الناتج المحلى الإجمالي بسعر الصرف 13 ألفا و210 دولارا لتحتل روسيا المركز السادس والسبعين عالميا في نصيب الفرد من الناتج ، كما احتلت روسيا المركز الرابع والستين بمؤشر السعادة الدولي .
ومن هنا فإن ضخامة الكميات التي يتم تصديرها من البترول والغاز الطبيعي توفر موردا جيدا .، يساعد على تخطى قيمة الواردات السلعية الخدمية مع إبرام عقود لتصدير الوقود للصين وتركيا وغيرها ، استعدادا لسعى أوربا لتنويع مصادر الطاقة بها .
كما تساهم الاحتياطيات التي تم تكوينها خلال سنوات الطفرة السعرية البترولية ، وأصول الصناديق السيادية في تخفيف حدة الأزمة ، وكذلك القدرات العسكرية والنووية ، مع سعى النظام الروسي لإقامة اتحاد سيأسى واقتصادي يضم دول روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان.
___________________________
*خبير اقتصادي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
