عبد القادر عبد اللي يكتب: زلزال الانتخابات التركية والصحافة

فما بال الصحافة؟ هل اكتشفت أنها أصبحت جزءاً من الأحزاب السياسية، وانهيار تلك القيادات الحزبية يعني انهيار توابعها الصحفية؟ أم أن هناك ممولا لم يعد يثق بالسيناريوهات التي تبدعها؟

عبد القادر عبد اللي*

 
هناك طرفة كانت الأوساط الصحفية التركية تتناقلها أيام الانقلابات العسكرية وسيطرة العسكر على الحياة السياسية، تقول:  
يحكى أن رجلاً ينزل يومياً إلى كشك الصحف المجاور لبيته، ويشتري جريدة. لاحظ البائع أن الرجل يدفع باعتياد السعر عندما يرتفع سعر الجريدة، فبدأ البائع يرفع سعرها للرجل، والرجل يدفع دون سؤال. ذات يوم، وبينما كان الرجل يدفع ثمن الجريدة، وقع نظره على سعرها المدون عليها، فوجده أقل مما يدفع بكثير. التفت نحو بائع الجرائد، وقال له مؤنباً: “أليس من العيب أن تقبض مني أكثر من سعر الجريدة؟” تظاهر بائع الجرائد بالحدة، وقال له: “أنت منذ أكثر من عشر سنين تشتري هذه الجريدة، قل لي متى قرأت فيها خبراً صحيحاً لكي تصدق سعرها الذي كتبته؟”
لعل وضع الصحافة التركية منذ أواسط سنة 2011 حتى الآن ينطبق عليه مقولة بائع الصحف في الطرفة، فالدورة الثالثة لحكم العدالة والتنمية كانت من أصعب الدورات على الإطلاق لهذا الحزب، ووصلت الصحافة إلى مرحلة من الصعب أن تجد فيها خبراً صحيحاً. بالطبع ليس هناك من يفضي بالسبب الحقيقي لهذا التحول الصحفي، وتسود مقولة: “كان حزب العدالة والتنمية جيداً، ولكنه لم يعد كذلك”. ولكن القارئ العربي عموماً، والسوري خصوصاً لابد له من ربط الأمر بموقف الحكومة التركية من الربيع العربي، والثورة السورية تحديداً. فقد حدث انقلاب على حكم العدالة والتنمية أو ثورة مضادة على التحول الديمقراطي الذي حدث في تركيا، ومازال. وبما أن الصحف المعارضة كلها تتكلم بلسان الولي الفقيه، وتقف مواقفه، فليس هناك صعوبة من ربط هذه التحولات بالتمويل الإيراني.
في الحادي عشر من آب/ أغسطس يوم إعلان فوز رجب طيب أردوغان بانتخابات رئاسة الجمهورية بنسبة قاربت الاثنين وخمسين بالمائة من مجموع الناخبين، نشرت إحدى الصحف التركية التي توصف بالكبرى: “أربعة وستون بالمائة من الشعب التركي قال: ‘لا’ لأردوغان” بالطبع في “الخبر” المنشور تحت المانشيت شرح “الصحفي” كيف أجرى العملية الحسابية المذهلة، وهي على النحو التالي: “بما أن المرشحين الآخرين لرئاسة الجمهورية أكمل الدين إحسان أوغلو، وصلاح الدين دميرطاش حصلا معاً على 48% من الأصوات، وبلغت نسبة المصوتين 74%، فهذا يعني أن هناك 26% لم يصوتوا لأردوغان، وبالتالي فقد قرر “الصحفي” الملهم بما تخفيه الصدور أنهم قالوا: “لا”، وبإضافتهم إلى نسبة ما حصل عليه المرشحين الآخرين، تبلغ النسبة 64%، وهكذا اعتبر “الصحفي” أن المتوفى بعد صدور قوائم المرشحين وقبل إجراء الانتخابات حتى لو كان والد نائب في حزب العدالة والتنمية قد قال: “لا!” لأردوغان.
هذه الصحيفة التي نضرب هذه العينة منها مثلاً فاجأتنا بعد انتخابات الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر بنقل خبر عن منظمة أهلية تراقب نزاهة الانتخابات مضمونه: “بعد مراجعة البيانات، والشكاوى المقدمة من الأطراف كلها، فإن نسبة ما اعترض عليه حتى وإن كان صحيحاً، لن يغير بالنتائج المعلنة، وهذه النسبة صحيحة، وليس هناك تلاعب في عملية التصويت وحساب الأصوات.” نعم، هذا الخبر نشرته الجريدة نفسها التي تترقب كل نبس من وكالتي فارس وسانا لتنشره على أنه حقائق، وحسبت حتى أصوات الموتى بأنها أصوات معارضة، فهل يمكن أن يكون هذا التغيير طبيعياً؟
من جهة أخرى كان غلاف إحدى أهم صحف الكاريكاتير التي وصلت سخريتها إلى القرف من امتداحها بشار الأسد وزوجته، نشرت بعد الانتخابات رسماً كاريكاتورياً لزعماء الأحزاب المعارضة الثلاثة الخاسرين بالانتخابات، ويتساءلون مستغربين عن سبب مطالبتهم بالاستقالة، وكتب في بالون الحوار لدولت بهتشلي رئيس حزب الحركة القومية: “إذا كان الفاشل يجب أن يستقيل، فلماذا لا يستقيل القائمون على استطلاعات الرأي العام؟” ولعلها المرة الأولى التي تسخر فيها هذه الجريدة من قيادات أحزاب المعارضة.
من جهة أخرى دخل أوغور دوندار الذي يعتبر عميد الصحفيين الأتراك في صراع مع حزب المعارضة الرئيس حزب الشعب الجمهوري وهو الذي يعمل في القناة التلفزيونية الناطقة باسم هذا الحزب “خلق”، ووصل صراعهما إلى الصحف، وبدءا يتقاذفان الاتهامات. وبتنا نقرأ كل يوم خبراً عن صحفي يكاد ينسف أربعة أعوام من ماضيه. الصياغات الجديدة في الأخبار، والتصريحات، والصراعات بين الأحزاب المعارضة والصحفيين المؤيدين لهم، فتح الباب لكثير من التكهنات. وهناك كثير من المراقبين اعتبروا التحولات من هذا النوع بداية لانقلاب إعلامي في تركيا.
من الطبيعي أن تشهد الأحزاب السياسية التركية المعارضة زلزالاً، وقد بدأت الحركة داخلها لإسقاط قياداتها، ولكن هذه القيادات مازالت متمسكة بمقاعدها، وبدأ صراع داخلي حزبي لعله يصحح مسار العمل السياسي في تركيا.
مساء الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر بدا بوضوح الارتباك على رؤساء أحزاب المعارضة، وانصراف المؤيدين لهم من أمام مباني أحزابهم، وهذا كان مؤشراً على حدوث شيء ما. بعد تسع انتخابات خاضها كمال قلتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري، وأحد عشر استحقاقاً انتخابياً خاضها دولت بهتشلي رئيس حزب الحركة القومية أمام حزب العدالة والتنمية، وخسراها كلها تقريباً، من الطبيعي أن يكونا محط هجوم من أنصارهما وقيادات الصف الثاني الحزبية. بالمقابل كانت الصحافة المؤيدة تعتبر كل ما تقوم به الحكومة صحيحاً حتى لو قالت إن اللبن أسود.
يشبه العمل السياسي في تركيا صحافة النكتة التي بدأنا بها.. بالنتيجة حدث زلزال سياسي أوصل حزب العدالة والتنمية للمرة الرابعة إلى الحكم، وهذا الزلزال أدى إلى تصدع بنى سياسية راسخة منذ زمن طويل، وإذا كان هذا طبيعياً، فما بال الصحافة؟ هل اكتشفت أنها أصبحت جزءاً من الأحزاب السياسية، وانهيار تلك القيادات الحزبية يعني انهيار توابعها الصحفية؟ أم أن هناك ممول لم يعد يثق بالسيناريوهات التي تبدعها، وتبين له عدم تأثيرها؟

____________________________

*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان