ابتسام تريسي تكتب: من داخل سوريا الأسد

بالتأكيد العنوان ليس اعترافاً بانتساب سوريا إلى عائلة الأسد أو حتّى ملكيته لها؛ على الرغم من محاولة حافظ الأسد زرع تلك الفكرة في نفوس مؤيديه حدّ تحويلها إلى يقين.

ابتسام تريسي*
بالتأكيد العنوان ليس اعترافاً بانتساب سوريا إلى عائلة الأسد أو حتّى ملكيته لها؛ على الرغم من محاولة حافظ الأسد زرع تلك الفكرة في نفوس مؤيديه حدّ تحويلها إلى يقين استشرى منذ بداية الثورة فصار مقدساً، وغير قابل للنقاش ولأجله ظهر شعار “الأسد أو نحرق البلد”.

لم يظهر هذا الشعار بعد زمن طويل من بداية الثورة، بل كتبه جنود الأسد ومؤيدوه على الجدران منذ عام 2011 كلّما دخلوا إحدى المدن اتبعوا فيها سياسة الأرض المحروقة.

“داخل سوريا الأسد” اسم فيلم وثائقي أعده وأخرجه الصحفي الأمريكي مارتن سميث لقناة بي بي سي، يركّز على الانفصام العميق عن الواقع الذي يعيشه مؤيدو النظام في مناطق سيطرته، في دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية. يقول سميث في بداية الفيلم وهو يسير في شوارع دمشق ويلتقط مشاهد المحلات التجارية “صعقت كم كانت الحياة طبيعية!”

بالمقابل تظهر الجبهات الساخنة في محيط دمشق والبراميل تنهال عليها، وأشلاء الموتى في كل مكان!
مناظر مرعبة واجهت الصحفي الأمريكي الذي قدم إلى سوريا لصناعة فيلم “من وجهة نظر النظام” عما يجري في سوريا.

ارتكز الفيلم على إظهار التناقض الحاد بين ما يجري من قتل وتدمير وبين الحياة الطبيعية التي يعيشها المؤيدون، ولا يرون شيئاً مما يحدث (لا يريدون رؤية ما يحدث)؛ فعلى الرغم من آلاف الضحايا التي تصل إلى القرى والمدن المؤيدة من قتلى الجيش إلا أنّ أهل هؤلاء يعتبرون ما يحدث أمراً قدرياً يتقبلونه بتسليم عجيب لأنّ المهم في الحكاية وأصل الحكاية أن يبقى الأسد وكلهم فداء له!

المشاهد العادي للفيلم مهما كانت جنسيته أو انتماؤه يستطيع بسهولة أن يعي الرسالة الخفية للفيلم، كما يرى بوضوح مالم يشأ المؤيدون رؤيته .. لقد غسل النظام السوري عبر أربعة عقود من الزمان أدمغة هؤلاء حتى أصبحت فارغة تماماً فهم كالأنعام وأضل سبيلا!

دخول مناطق داعش
في الفيلم يلتقي مارتن سميث “الصحفي” المؤيد ثائر العجلاني الذي سهّل له الدخول إلى سوريا ووعده بالحصول على إذن له ومرافقته إلى جبهات القتال. يظهر ثائر في الفيلم وهو يعرض على شاشة كمبيوتره الشخصي لقطات يحاول الجنود فيها إحداث فتحة في الجدار لدخول مناطق داعش! فتحة في الجدار!!

يستطيع أي طفل سوري يرى المشهد أن يعرف أنّ المنطقة التي يتصاعد منها التكبير والتي يحاول الجنود اقتحامها ليست في مناطق تواجد داعش!

تمر صورة يجتمع فيها أشخاص يتساءل الصحفي “هل هؤلاء هم الثوار الذين قدموا للقتال مع قوات الدفاع الوطني؟”. يقول العجلاني “لقد حلقوا ذقونهم قبل الانشقاق وبعضهم لم يحلق ذقنه! هذا المشهد فقط بعد نصف ساعة من الانشقاق والالتحاق بقوات الدفاع الوطني، يشرح ثائر للصحفي أنّهم تأخروا بالانشقاق لأنهم كانوا خائفين من التعذيب على أيدي النظام؛ لكن انظر إليهم إنهم يأكلون ويشربون!”.

الصحفي يعلّق بأنّه لم يكن مقتنعاً بكلامه.. والمشاهد لن يقتنع فملامح العجلاني وهو يتحدّث توحي بأنّه يكذب وأنه هو لا يصدق ما يرويه! فكيف يخدع صحفياً أمريكياً ذا خبرة تتجاوز الأربعين عاماً في العمل الصحفي؟ شجع العجلاني سميث لحضور مؤتمر عن الإعلام بدمشق نظّم للترويج للنظام.

قتل ثائر العجلاني في اليوم الثاني أثناء تصويره لإحدى المعارك. فذهب سميث للقاء نجدت أنزور ليساعده في إكمال مهمته.

نجدت أنزور الذي أبهر السوريين بإنتاج تلفزيوني ضخم “إخوة التراب”، وأحدث تغييراً في عالم الإخراج التلفزيوني من خلال مسلسله “نهاية رجل شجاع” وأنجز الكثير من المسلسلات التي لفتت أنظار العرب إلى الدراما السورية ومنها أعماله في الفانتازيا التاريخية.

المخرج الذي أخرج “ما ملكت أيمانكم” و”الحور العين” وتمرغ في المال السعودي، عاد ليصنع فيلماً ضدهم بعد موقفهم من الثورة السورية. وهو يرى أنّ السعودية هي التي صعّدت الموقف في سوريا وليس الأسد، ويذهب في تبجحه حداً يبرر فيه إلقاء البراميل على المدن الآمنة لأنها حاضنة للإرهاب! بل يعتقد أنّ هذا غير كافٍ للقضاء على الإرهاب.

في حمص كان المحافظ خارجها ولم يسمع بالانفجار الذي سأل عنه الصحفي، كان مشغولاً بالتحضير لمهرجان السياحة في منطقة الوادي!
في المنتجع الحياة أكثر من طبيعية
في المنتجع تماثيل حجرية لحيوان الكنغر تقف جامدة ومتفاجئة.

يقول سميث “نحن على بعد عشرة أميال عن الثوار، تلك الحيوانات تقف متفاجئة مثلي” عبارة عميقة وملتبسة هناك حيوانات من حجر تشعر بالذهول من التناقضات الحادة حولها.. وحيوانات ناطقة وتملك عقلاً ولا تحس بما يجري!

الجميع وفي كل مكان يذهب إليه سميث ويطرح أسئلة، يجمعون على أنّ الإرهابيين هم من يعطل مستقبل البلد ويدمرونه!

“لا مكان آمن في سوريا لأنّ الحكومة الأمريكية تعطي الجيش الحر صواريخ بعيدة المدى يمكنها أن تدّمر أي مكان في سوريا، لا أحد آمن في بيته” هذا ما قاله طالب ثانوية من حمص! أينما توجهت تشاهد ملصقات لقتلى الطائفة العلوية.

“نادين محمد ونوس” قناصة برتبة ملازم شرف من الطائفة العلوية، من قرية صغيرة لا تكاد تذكر قدمت هذه القرية أربعين قتيلا وسبعين جريحاً.

منذر ناصر قائد ميليشيا في قرية علوية سجل أسماء القتلى على جدار مسجد. وهو يريد الدفاع عن السيدة الجميلة زوجته والسيدة الجميلة ابنته؛  لأنّ هؤلاء الثوار هم زبالة العالم وسيبيعون نساء الأقليات في سوق النخاسة كما يقول.

القصة المريبة التي أدهشت سميث قصة انشقاق مجد حيمود الذي انشق عن الجيش السوري وبعد معرفته الوجه السيء للجيش الحر عاد إلى أحضان النظام وهو يقاتل ضد الجيش الحر الآن في المنطقة الجنوبية.

في نهاية الفيلم ورغم كل هذا التوجه لتحقيق شعار الأسد أو نحرق البلد يعرض الصحفي الأمريكي حديثاً لنشطاء سياسيين، يريدون الحل السلمي وسط كل هذا الدمار. واستكمالاً لتأكيد حالة الانفصام النفسي والانفصال عن الواقع نرى هذه الطغمة الفاسدة تصطحب الصحفي الأمريكي إلى حفل سيمفوني عندما طلب منهم أن يصطحبوه إلى أحد المشافي لزيارة الجرحى.

ما غاب عن ذهن كل الذين التقاهم سميث للتحدث عن الوضع أنهم يتحدثون إلى صحفي محترف همه البحث عن الحقيقة لا إلى بوق ينقل مظلوميتهم الكاذبة، إنه الغباء الفطري لدى هذه الشريحة التي -على ما يبدو-  ما تزال تختزن التوحش البدائي في جيناتها وكذلك جينات العبودية الطوعية التي جعلتها ترى في الاحتلال الروسي إنقاذاً لسوريا!

هذا الغباء وتلك العبودية يمثلهما خير تمثيل مفتي الجمهورية أحمد حسون الذي صرّح أنّ روسيا أعادت البسمة لأطفال سوريا.. ذلك لا شكّ فيه فالشهداء يبتسمون قبل رحيلهم!

______________________________

*روائية سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان