سمير طاهر يكتب: ثقافة وادي الرافدين الغارقة

من يرى الحال التي انتهت إليها الثقافة والوعي في عراق اليوم قد لا يصدق أنه نفس البلد الذي كان ما بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي عبارة عن “فوران ثقافي” كما وصفه جبرا ابراهيم جبرا.

سمير طاهر*

يصف كتاب آثاري مشهداً من أواسط القرن التاسع عشر، يحمّل فيه الفرنسيون منحوتات مدينة نينوى الأثرية في طوافات خشبية للانحدار بها في مجرى نهر دجلة، على أمل الوصول بها الى سفنهم الراسية في البصرة والتي ستشحنها الى متحف اللوفر. وفي إحدى هذه الرحلات رفض الفرنسيون أن يدفعوا أجراً إضافياً للزعماء القبليين لحمايتهم من اللصوص، فكانت عاقبة ذلك أن رمى رجال القبيلة بالحمولة الثمينة من الطوافة.

ومنذ ذاك ما تزال تلك الحمولة ترقد عميقاً في القاع الطيني لدجلة. وإذْ تشاركت أسباب وأخطاء أخرى في فقدان مزيد من التحف أثناء حملة النهب تلك، يسجل الآثاريون أنه من بين 235 تمثالاً من تماثيل نينوى أرسلت بحراً سنة 1856 لم يصل منها الى باريس سوى 26 فقط. البقية غرقت إلى الأبد.

لم يحزنني المشهد لمعناه المباشر فقط وإنما لأنني رأيت فيه مسحة رمزية: إنه يختزل رمزياً قصة الثقافة العراقية. فهي أيضاً كانت تكنز تحفاً رائعة وجواهر عظيمة القيمة، وهي -مثلها مثل تماثيل نينوى- لم ينج منها سوى أقل القليل، فيما غرقت البقية في قاع نهر المصائر المظلمة التي عصفت بالعراق وما تزال.

معظم البلدان العربية ما تزال تحتفظ بتراثها الثقافي القريب، بل وتعيد تقديمه – في التلفزيون وفي الإنترنت- بمحبة وفخر وتدعوه “الزمن الجميل”؛ إلا ثقافة العراق فقد نالها استثناء ظالم. تكالبت مصائر البلد، وانحطاط السياسة والثقافة والمجتمع فيه، على إلقاء “زمن العراق الجميل” في غياهب النسيان.

من يرى الحال التي انتهت إليها الثقافة والوعي في عراق اليوم قد لا يصدق أنه نفس البلد الذي كان ما بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي عبارة عن عجلة ثقافية دائبة أو “فوران ثقافي” كما وصفه جبرا ابراهيم جبرا، الذي جاء بغداد في مفتتح النصف الثاني من القرن العشرين وذهل بما رآه.. ” كانت هناك النساء الشابات وقد تململن طلباً لحريتهن… وكان هناك الشعراء والقصاصون يبغون خلق الأشكال الجديدة في كل ما يكتبون. وكان هناك الرسامون الذين عادوا من دراستهم في الخارج، وعلى قلتهم النسبية، استطاعوا أن يجعلوا من التعبير عن تجربتهم بالخط واللون نظريات جديدة للفن العربي أينما وجد. كما كان هناك أصحاب الفكر الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والفلسفي، والتاريخي، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، وقد تمثلوا بعدد من الأساتذة البارزين في كلياتهم، وكلهم لا يقلون شأناً عن رفاقهم من الأدباء والفنانين في زعزعة القديم والتبشير بحداثة ستغير الوطن العربي برمته ” (جبرا، شارع الأميرات، دار الآداب 2007، ص 125- 127).
  

من الأربعينيات الى نهاية السبعينيات: ثلاثة عقود من تاريخ العراق هي المساحة التي قدم فيها هذا البلد أجمل وأنبل ما فيه. هي بالفعل ثلاثة عقود من “الفوران الثقافي”. ما يعرفه العرب عن هذه الفترة هو التجديد الشعري فقط، أما ما لا يعرفونه فكثير جداً.

هل تعلم – عزيزي القارئ – أن المسرح العراقي في هذه الفترة قد بلغ القمة في الجمال والابداع الخلاق؟ وأنه كان في معظمه جاداً ومتفاعلاً مع القضايا العامة، ولم يكن للمسرح التهريجي وجود بالمرة؟ وأنه كان الرائد في تطويع المدارس المسرحية العالمية في المسرح العربي، بل وإنه مبتكر لأساليب جديدة كأسلوب قاسم محمد في المزج بين التراث والحداثة، وأسلوب صلاح القصب المسمى مسرح الصورة، والذي هو مدرسة جديدة تماماً تضاف الى مدارس المسرح العالمي؟ لا تفي هذه المقالة، ولا عشرةٌ مثلها، حق أفواج من المؤلفين والمخرجين والممثلين الملهمين الذين قضوا حياتهم مهمومين بالاضافة والخلق الجديد، متمردين على السهل والتقليدي، متحدين – فوق ذلك – صعوبة الظروف وتواضع الامكانات.

وهل تعلم أن الفن التشكيلي العراقي خلال هذه الفترة قد بلغ الذرى، في ظاهرة فريدة لم تتكرر في أي بلد عربي آخر؟ هل رأيت صورة الرسام قتيبة الشيخ نوري مع بيكاسو؟ لا أعني صورة من نوع “هل تسمح لي يا سيدي بأخذ صورة معك؟” وإنما صورة تجمعهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث، نداً لند. فجبرا لم يبالغ بقوله أن هؤلاء الفنانين قد صاغوا “نظريات جديدة للفن العربي أينما وجد” فقد كانوا عقولاً متحررة، نظيفة من عُقَد العلاقة بين الشرق والغرب، تستلهم وتنتقي ما تشاء من كل حضارة ومن كل عصر. من أولئك الفنانين تبقت لنا اليوم باقة متناثرة في بلاد المنافي، تداوي الحنين بالرسم والنحت، وبأعمالها تستعيد وتخلّد زماناً غرق في نهر المصائر المظلمة.
لا أظن ثلاثة عقود من الزمن فترة صعبة التوثيق، بل بالعكس أراها قصيرة جداً. لكن لا الدولة ولا أي منظمة أو قناة تلفزيونية أو موقع شبكي عني بجمع وتوثيق كنوز هذه الفترة. والسؤال المطروح هنا: ما دمنا، بما آلت إليه الأوضاع في العراق، عاجزين عن تكرار ولو جزء من إنجازات العصر الذهبي للثقافة العراقية، أفلا يمكننا – على الأقل – أن نحفظه للأجيال القادمة حفظاً يليق بقيمته، وقامته؟ 

_________________________

*كاتب عراقي 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان