عبده مغربي يكتب: وانحدر المتصوفة إلي دَنَسْ السياسة

لقد أفسدت السياسة التصوف وأصبح المجلس الأعلي للطرق الصوفية رقماً في المعادلة السياسية، ولأنه أصبح رقماً فقد كان طبيعياً أن يقبل القسمة علي إثنين وثلاثة وأربعة وخمسة
![]() |
عبده مغربي*
حينما سافر الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف، الشهير بأبي الحسن الشاذلي، إلى العراق بحثاً عن الشيخ قطب الزمان الذي يرشده للطريق إلي الله، إلتقي هناك بشيخها الأشهر أبي الفتح الواسطي، وكان يعتقد فيه أنه هو الشيخ قطب الزمان، فقال له الواسطي: (يا أبا الحسن جئت تطلب القطب بالعراق وهو في بلادك .. ارجع إليها تجده هناك)، فعاد الشيخ أبو الحسن إلي المغرب وهناك سأل عن شيخ بالبلاد فأخبروه أن في قمة “جبل العلم” يوجد ناسك اسمه ” محمد عبد السلام بن بشيش” فعرف أنه هو الشيخ الذي تكلم عنه “الواسطي”، وقد كان “الشاذلي” قد جمع من العلوم الشرعية ما جمع، لكنه كان يبحث عن علم الحقيقة، علم أهل الله وخاصته، العلم اللّدُني، العلم الذي قال عنه الله في كتابه العزيز عند لقاء نبي الله موسي بالإمام الخضر عليهما السلام : ” فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما”
فليس طبيعياً أن يكون نبي الله موسي وهو من هو أن يتوسل إلي “الخضر” في أن يصطحبه .. إلا لو كان أصحاب العلم اللّدنّي يستحقون هذا التوسل والعناء من الأنبياء للأولياء في طلب هذه الصحبة والإلحاح عليها، ومع ذلك فقد كان جواب الإمام “الخضر” لنبي الله “موسى” : ” إنك لن تستطيع معي صبراً”، لكن “موسى” النبي لمعرفته بقدر “الخضر” الولي أصرّ علي الصحبة، ومع حوادث ثلاث خرجت عن دائرة الإدراك وهي ” خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار” وصل النبي “موسي” والولي ” الخضر” إلي الحقيقة الدامغة ..أن صحبتهما باتت مرهقة للطرفين.
من هنا حينما صعد “الشاذلي” المُريد إلي “بن بشيش” القطب في أعلى قمة جبل العلم بالمغرب وقد كان “الشاذلي”يملك ناصية القول، فصيح اللسان، مُلمُا بعلوم الشريعة علي مذهب الإمام مالك وعلوم الأدب من صحبته نجم الدين الأصفهاني، أصرّ أن ينزع عن نفسه كل العلوم وأن يسلم نفسه للشيخ القطب بلا جدال ولا اعتراض، فالتسليم والاستسلام من أبجديات التربية الصوفية.
رباه الشيخ “بن بشيش”القطب حتي مُنح “الشاذلي” المنحة، حصل عليها بالخضوع والإستسلام لا بالتعلم والقراءة، بالسكينة والإلهام .. لا بالمجادلة والكلام، وكانت من نصائح الشيخ المٌربي “بن بشيش” إلي الشيخ المريد “الشاذلي” قوله : ” حدد بعد الإيمان تجد الله في كل شئ ، ومحيطاً بكل شئ، إلزم الطهارة من الشرك، فكلما أحدثتَ .. تطهرتَ .. من دنس الدنيا وحبها” وظل الشيخ المريد ملازماً للشيخ المربي حتي اُعطي العطية، وحصل علي المنحة الربانية، وأخذ اللّدنّية، ثم نزل من “جبل العلم” يسيح في البلاد وفق نصيحة شيخه “الطهارة علي الدوام من دنس الدنيا وحبها”، فسكن مدينة “شاذلة” التي نُسب إليها فيما بعد ونزل إلي الإسكندرية، وفيها تتلمذ علي يديه “المرسي أبو العباس” إلي أن توفي بوادي “حميثرا” في صحراء “عيذاب” جنوب شرقي مصر وهو في طريقه إلي الحج،وظل طوال حياته لم يتطلع إلي شُهرة ولا إلي زعامة، وقد نفض عن قلبه كل شيء يؤدي إلي حب الرياسة وكان لا يتطلع إلي الناس بل كان يبالغ في إخفاء نفسه عنهم حتي يكون سره مع الله دائماً.
وورد عن “الشاذلي” قوله أنه في ذات ليلة من ليالي سياحته أتي غاراً لكي يبيت فيه فسمع فيه حس رجل، فقال: والله لا أشوش عليه في هذه الليلة .. فبقي عند فم الغار والرجل بداخله، فلما كان السحر سمع الرجل يناجي ربه فيقول:اللهم إن أقواماً سألوك أن تسخر لهم قلوب خلقك، اللهم إني أسألك إعراضهم عني وإعوجاجهم علي، حتي لا يكون لي ملجأ إلا إليك.
ولما خرج الرجل عند الصباح فإذا بالشاذلي يكتشف أنه الشيخ المُربي”بن بشيش” فقال له : يا سيدي إني سمعتك تقول كذا وكذا فقال ” يا علي – وهو اسم الشاذلي- إنما خيرٌ لك أن تقول : ” كُن لي ، ولا تقل سخّر لي قلوب خلقك، فإذا كان الله لك كان لك كل شيء”. وعليه كان الشاذلي محباً للخلوة مع الله حريصاُ علي مجافاة الدنيا وزخرفها. هكذا كان أهل الله، وهكذا هو حال المتصوفة.
وعلي ذلك كان سلوك المتصوفة الأوائل وهكذا سار علي نهجهم من جاء بعدهم، فكانوا لا يطلبون جاهاً ولا يسعون إلي دنيا، ولا يروق لهم أفعال الساسة، ولا يحبون السياسة، مُرادهم الله ورسوله، وإنخراطهم كله في الحب والعٌزلة، لا في العز والسلطة، غارقون في الزهد والوجد، لا يميلون للفخر والمجد، هكذا كانت “الساحات” و “الزوايا” الصوفية في مصر حتي وقت قريب، إلي ان استيقظنا بعد 25 يناير 2011 علي جيل جديد من المتصوفة بدت الدنيا أكثر همهم مع إنتخابات الرئاسة المصرية في 2012 حينما طلبهم الفريق أحمد شفيق ليكونوا ضمن ظهيره السياسي في مواجهة منافسه مرشح الإخوان الدكتور محمد مرسي، فأقبلوا علي “الفريق شفيق” وأقبل هو عليهم، وكانت هذه هي نقطة البداية التي دخل فيها المتصوفة معترك السياسة .. دخلوها إلا قليلاً منهم بقوا علي حال مشايخهم الأوائل، أما الذين زلفوا إلي زخرف الدنيا وزينتها منهم فقد وجدنا ساحاتهم وقد تحولت إلي مقار إنتخابية، وخلواتهم قد أصبحت غرف للعمليات، والنجوات عندهم تحولت إلي هتافات، فغابت الروحانيات.
لقد أفسدت السياسة التصوف.. والمجلس الأعلي للطرق الصوفية أصبح رقماً في المعادلة السياسية، ولأنه أصبح رقماً فقد كان طبيعياً أن يقبل القسمة علي إثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، فوجدنا طرقاً صوفية تنضم إلي تحالف “في حب مصر” مثل الطريقة الرفاعية التي يمثلها “السيد محمود الشريف” نقيب الأشراف وشيخ الطريقة الرفاعية مع اللواء سامح سيف اليزل ومصطفي بكري، ووصل معهم إلي البرلمان.
ووجدنا طرقاً أخرى تدعو إلي تحالف “تهاني الجبالي” مثل الطريقة العزمية التي تحول مقرها في “حي السيدة زينب” إلي مقر إنتخابي للتحالف تدعو فيه مريديها إلي دعم ومساندة “الجبالي”، ومثلما فقدت ساحة “الأدارسة” بأسوان مكانتها الروحية بدخولها معترك السياسة ورعايتها للمؤتمرات الإنتخابية للفريق أحمد شفيق في إنتخابات 2012 الرئاسية وتحول التصوف من منهاج روحاني عند هؤلاء إلي مغنم دنيوي باعوا فيه ومن أجله أجلّ وأجمل ما عندهم.
________________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
