عبد القادر عبد اللي يكتب: عام ثقافي قطري تركي عاثر الحظ

انقلاب السيسي في مصر كان سبباً لانسحاب الجمعية المصرية من هذه الورشة بشكل رسمي، ولكن الجانب التركي استمر بتنظيمها، ودعوة المترجمين المصريين للمشاركة فيها بشكل فردي

*عبد القادر عبد اللي

 
عندما نستعرض المنتج الثقافي التركي في العربية، وخاصة الأدبي منه على مدى القرن الأخير كله فإن النتائج لا تتناسب نهائياً مع علاقات مشتركة بين الشعبين التركي والعربي امتدت إلى أكثر من ألف ومائتي عام، أي منذ الفتح الإسلامي لبلاد الترك التي كانت تُسمى “ما وراء النهر”. وإذا كانت الكتب الدينية العربية قد حظيت بنصيب أوفر من الترجمة، فإن الكتاب الأدبي والفني لم يحظ بالاهتمام الكافي، ومازال كثير من كبار الأدباء والفنانين الأتراك مجهولين تماماً بالنسبة إلى القارئ والمثقف العربي. في عشر السنوات الأخيرة جرت العديد من المبادرات لإقامة نشاطات أدبية وثقافية مشتركة بين المثقفين العرب ونظرائهم الأتراك، لعلها تفسح المجال أمام تواصل ثقافي يقرّب مثقفي القوميتين من بعضهم بعضاً، وقد حققت هذه النشاطات بعض النجاح، ولكنها بقيت دائماً دون الهدف، ولم تحظ بالاستمرارية.
لعل إعلان عام 2015 عاماً ثقافياً بين قطر وتركيا إحدى هذه المبادرات المهمة. فإعلان عام من التواصل الثقافي بين بلدين يثير في الذهن كثيراً من التوقعات والطموحات. فلابد للإنسان  من أن يتخيل الندوات والأمسيات الشعرية والقصصية والمحاضرات والكتب والأفلام والفن المسرحي ومعارض الفن التشكيلي.. والأهم من كل هذا وضع أسس لاستمرار التواصل الثقافي المستقبلي بين هذين البلدين، لأن هذا التواصل يعني تواصلاً بين الثقافتين العربية والتركية.
من الطبيعي أن يكون أي عمل ثقافي قطري في التركية هو مكسب ليس لقطر فقط، بل للثقافة العربية بشكل عام ، وكذلك الأمر فإن أي نشاط ثقافي أو إصدار لكتاب تركي سيكون جزءاً من المكتبة العربية ومخزونها الثقافي، وهذا ما يفرض اهتمام المثقف العربي عموماً وليس القطري فقط بهذا العام الثقافي. فهناك كثير من الكتب التركية التي لا تُقدم دور النشر على طباعتها حتى لو حظيت بالدعم لأنها من الناحية المادية خاسرة، وأهم هذه الكتب هي النصوص المسرحية والدواوين الشعرية بالدرجة الأولى، والمجموعات القصصية بالدرجة الثانية، وكان من المأمول أن تُترجم بعض النصوص المسرحية والدواوين الشعرية لكبار الشعراء الأتراك إلى العربية… والأعمال القطرية والخليجية عموماً إلى التركية في إطار هذا العام الثقافي.
لعل أهم إنجاز للعام الثقافي القطري التركي هو تخصيص جائزة قيّمة في الترجمة بين اللغتين العربية والتركية هي “جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي” إضافة إلى الإنجليزية في دورتها الراهنة، وهذا ما سيفتح الباب أمام إجراء جرد للأعمال المترجمة بين العربية والتركية، وتوثيقها. وبالطبع هناك معرض تشكيلي لفنانين قطريين مع نظرائهم الأتراك في تركيا، وبعض إصدارات الكتب ومنها “مختارات من القصة القطرية” و”العمارة التقليدية في قطر”، وقصص أطفال تركية تُترجم إلى العربية، وندوة، ومعرض هو أقرب لمهرجان ثقافي تركي في قطر… وباستثناء الجائزة، فإن بقية النشاطات يمكن أن تحدث في أي وقت عبر تنسيق بين المؤسسات الثقافية بين البلدين..
وتقيم وزارة الثقافة والسياحة التركية ورش عمل في الترجمة تهدف لتبادل الخبرات بين المترجمين وتقام هذا العام ورشة العمل الرابعة بين المترجمين العرب والأتراك، وتقيم هذه الورش مديرية المكتبات والمطبوعات في وزارة الثقافة والسياحة التركية بالتعاون مع الجهات المهتمة بالترجمة في البلدان الأخرى، وقد أقيمت الأولى بالتعاون مع جمعية المترجمين المصريين، إلا أن انقلاب السيسي في مصر كان سبباً بانسحاب الجمعية المصرية من هذه الورشة بشكل رسمي، ولكن الجانب التركي استمر بتنظيمها، ودعوة المترجمين المصريين للمشاركة في هذه الورشة بشكل فردي. وجديد ورشة العمل لهذا العام أنها ستقام بالاشتراك مع قطر بالتبادل مرة في تركيا، وأخرى في قطر. إضافة إلى ذلك سيُنظم معرض/ مهرجان ثقافي تركي في قطر يشارك فيه عدد من الناشرين والكتاب والفنانين، وسيكون هناك تعريف بالفنون التقليدية التركية، وفي الحقيقة فنون تقليدية عربية أيضاً مثل النقش والتذهيب والتجليد…
السؤال المهم، هل حقق هذا العام الثقافي –على الرغم من عدم انتهائه بعد- هدفه المرجو؟ مما لاشك فيه أن الطموح أكبر مما تحقق، والسبب الرئيس هو انتخابات السابع من حزيران/ يونيو، وتشكيل حكومة تركية مؤقتة لم تستطع اتخاذ قرارات مهمة على هذا الصعيد. فعلى سبيل المثال كانت مديرية المكتبات والمطبوعات في وزارة الثقافة التركية تعقد اجتماعين على الأقل في السنة لتحديد الكتب التركية الأدبية التي ستقدم لها الدعم المالي من أجل طباعتها في لغات العالم المختلفة، ولكن اجتماع هذا العام الذي يعقد عادة في شهر حزيران/ يونيو لم يعقد، والاجتماع الثاني الذي يعقد في أيلول/ سبتمبر عادة ما يتم تأجيله. وبهذا توقفت الأعمال الثقافية لمدة أربعة أشهر أي ثلث السنة، ولم يُستفد منها. من ناحية أخرى فإن النشاط الأول لابد وأن تنتابه العثرات، فالطرفان لا يعرف أحدهما الآخر كثيراً، ولا يدرك كل منهما النواقص والأولويات التي يجب التركيز عليها، وهذا سيُحدد عبر اللقاء والتجربة، والنقاش.
لابد من القول إن لمبادرات كهذه إيجابيات كبرى على صعيد التقارب بين الشعوب، ولكن شرط النجاح هو الاستمرار، وما يُرجى من العام الثقافي القطري التركي هو استمرار بناء علاقات ثقافية بين البلدين لتكون دورية وتقليداً يحتذى، وأن يشكل العام الثقافي أساساً لهذه العلاقات.

_____________________________

*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان