ابتسام تريسي تكتب: كيف تصبح مخبراً !

المخابراتية” فن قبل أن تصبح مهنة، لذا حظيت باهتمام صُنّاع السينما وكتّاب التلفزيون والروائيين، والميديا بشكل عام.
وقد ارتبطت أسماء لامعة عربياً وعالمياً في عالم الفن بهذه المهنة عبر التاريخ. يتبع
![]() |
| الكاتبة السورية ابتسام تريسى |
“المخابراتية” فن قبل أن تصبح مهنة، لذا حظيت باهتمام صُنّاع السينما وكتّاب التلفزيون والروائيين، والميديا بشكل عام.
وقد ارتبطت أسماء لامعة عربياً وعالمياً في عالم الفن بهذه المهنة عبر التاريخ، وكان للإناث نصيباً أكبر في العمل المخابراتي، أشهرها في القرن الماضي المطربة أسمهان، ورقية إبراهيم وكاميليا.. ربّما لأنّ الدولة الذكورية تدرك عمق التأثير النسائي وطرقه الملتوية التي لا يستطيعون مقاومتها.
ومن الأسماء التي اشتهرت في عالم الكرة، وكانت تعمل كمخبر سري لجهة ما اللاعب الروماني “جورجي بوبيسكو” نجم منتخب رومانيا السابق، وأحد أعضاء الجيل الذهبي لمنتخب رومانيا كان يعمل مخبراً سرياً في زمن الشيوعية الرومانية. وقد نقلت السينما حياة هؤلاء حد تكريسهم كنموذج للبطل الايجابي “الوطني” الذي لا يقهر وحصلت تلك الأفلام على أقوى حضور في السينما ومنها أفلام “العميل السري” الأمريكي “جيمس بوند”.
كما استقطبت هذه الشخصيات صُنّاع أفلام الفيديو الموجهة للفتيان في أنحاء العالم، وبرع فيها اليابانيون على أجهزة الجيم كيوب وأشهرها فيلم ” Resident Evil 4” وبطله المخبر السري “ليون كيندي” الذي يعمل لدى الحكومة الأمريكية، وهو شخص فذ وماهر وشجاع! يرسل إلى أوربا لإنقاذ ابنة الرئيس الأمريكي المختطفة من قبل منظمة “إرهابية” وتبدأ مهمته في قرية صغيرة تشبه الجحيم.
وكما أنّ دوام الحال من المحال في أمور الحياة عامة، فقد ينقلب المخبرون السريون على من جندوهم ويكشفوا في لحظة طيش أو جنون ونادراً ما تكون لحظة صدق وتصالح مع الذات أسرار مهنتهم والجهة التي كانوا يعملون لصالحها؛ لكن في الغالب يكون ذلك الانقلاب بسبب تخلي تلك الجهة عنهم لعدم فائدتهم أو لانتهاء المهمة. كما حصل مع المخبر السري الأمريكي الذي كان يعمل لحساب مكتب التحقيقات الفيدرالي “اف بي أي” كريغمونتل والذي تقدم عام 2008 بدعوى قضائية عليهم لأنّهم تخلّوا عنه بعد أن خدمهم وجمع معلومات مهمة عن المسلمين الذين دخل بينهم وادّعى أنّه منهم إلى درجة أنّه غازل نساءهم حسب تصريحاته!
مؤهلات المخبر
أن تكون مخبراً ليس بالأمر السهل، عليك أن تمتلك عدة صفات أخلاقية ونفسية تؤهلك لهذا العمل..
أبسط أنواع المخبرين أصحاب الوجوه المكشوفة والخطوط الناعمة الذين ينتشرون في الدوائر الرسمية والمدارس والأسواق وغالباً ما يكونون من أصحاب الأعمال البسيطة .. حارس البناء، عامل المقهى، آذن “فرّاش” المدرسة… وهؤلاء يتمتعون بنفوس منكسرة وعلى استعداد فطري للعبودية لأنّهم يجدون أمانهم في تلك العبودية ولا يستطيعون تصور الحياة الحرّة لأنّها تحتاج إلى إرادة ومقدرة على التفكير هم لا يمتلكونها أصلاً.
يتوقف أمر تجنيد المخبر على مهارة رجل المخابرات ومقدرته على السيطرة “نفسياً وجسدياً” على الشخص المراد تجنيده.
بالمقابل ليست كلّ الشخصيات التي تدرّبها المخابرات على العمل على سوية واحدة من الدهاء والمقدرة على إخفاء الشخصية الحقيقية والاندساس داخل الجماعات وهناك شخصيات غير قابلة بحكم تركيبتها النفسية والاجتماعية للعمل المخابراتي؛ لكنّها تحسن المناورة للتخلص من المآزق.
في روايتي الأخيرة “لمار” كان ضابط المخابرات يحقّق مع أستاذ علم النفس والفلسفة محاولاً استمالته إلى صف النظام، يظهر الحوار القناع الذي يرتديه ضابط المخابرات كي يصل إلى غايته: (وسمع المحقِّق يقول له: «أي أستاذ بما أنّك تفهم في التحليل النفسي، كيف تحلِّل شخصية ضابط المخابرات؟». امتلك جرأة استثنائية جعلته يقول: «لا أعرف مدى نجاحك في عملك، لكن المفروض في ضابط المخابرات الناجح أن يكون صبورًا ومخلصًا في عمله، وحافظًا للأسرار، ومطيعًا، ويتمتع بالليونة، والحزم، والذكاء والدهاء». ضحك المحقِّق: «هل رأيت هذا فيَّ؟». قال الأستاذ: «لا شكَّ أنّ رؤساءك رأوه لذا اختاروك لهذه المهمة». قال المحقِّق وظلُّ ابتسامة على شفتيه: «دعنا نفتح قلوبنا لبعضنا، وقل لي، ما الذي جعلك أنت شخصيًّا تخرج مطالبًا بالحريَّة وإسقاط النظام، وأنت على هذا القدر من الفهم والتفكير السليم؟ ).
المخبر الأول في سوريا
امتلك حافظ الأسد ألقاباً كثيرة أثناء حياته فرض علينا إدراجها قبل اسمه أثناء الاحتفالات وفي الكتب المدرسية وفي المعاملات الرسمية؛
فهو المعلم الأول والمربي الأول والقائد الرمز والأب والرفيق والطبيب والمصلح والحكيم الفذ، وقد عرف بابتكاره للخطة الأمنية الفريدة وهي تحويل الشعب السوري خلال السنوات الأولى من حكمه إلى ثلاث فئات مزروعة في كل بيت “المخبر و الفاسد والخائف”. وهذه “الأقانيم” السورية هي التي شكلت الدرع الفولاذي لحماية حكمه من الانهيار…
لقبٌ واحد أخفاه حافظ الأسد عن الناس ولم يجرؤ أحد على النطق به وهو “المخبر الأول” بحكم كونه الأول في كلّ شيء ، فقد رسخ الحكم المخابراتي في الدولة وكان قدوة لأفرع المخابرات. يروى عنه أن أستاذه “…” في مادة التاريخ لم يكن بعثياً، وكان يصرّح في جلساته الخاصة بين زملائه المدرسين أنّه لا يرى في حزب البعث المقومات التي تؤهله لحكم الدولة والشعب، ويبدو أن ابن الأستاذ ورث عن أبيه تلك الفكرة وصرّح بها أمام أصدقائه فاعتقلته المخابرات في مدينة اللاذقية، وبحكم كون الأب أستاذ التاريخ قد درّس حافظ الأسد في زمن مضى اعتقد أنّ له عليه أيادٍ بيضاء فذهب إليه وطلب مقابلته وشرح له الأمر. وصرّح أمامه بأنّ عدم انتسابه لحزب البعث لا يعني اعتراضه بأي حال على حكم الأسد شخصياً. فانتفض حافظ الأسد وأبدى استياءه ممن اعتقلوا ابن المدرس وطمأن أباه بأنّه سيكلمهم ليطلقوا سراحه!
لابد أنكم عرفتم ما حصل.. لم يكد الأستاذ يصل إلى مدينته حتّى فوجئ بالمخابرات تنتظره في بيته واعتقل في اليوم نفسه الذي وعده فيه حافظ الأسد بإطلاق سراح ابنه.
دولة البعث يحكمها مخبر ، ماذا تنتظرون من هكذا حكم وهكذا نظام؟
_______________
روائية سورية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
