عصام عبد الشافي يكتب: تركيا تنتصر!

وما شهدته هذه الانتخابات، بغض النظر عن الفائز والخاسر فيها، فإن النتيجة الواضحة والحاسمة أن تركيا تنتصر، بإرادة شعبها، بعد أن أدرك قيمة الحرية بعيداً عن انقلابات العسكر وتجاربهم المأساوية. يتبع
![]() |
| عصام عبد الشافي – استاذ العلوم السياسية |
في السابع من يونيو 2015 خرج ملايين الأتراك متجهين إلى صناديق الانتخابات لاختيار 550 عضواً يمثلونهم في البرلمان التركي، وجاءت النتائج غير حاسمة من جهة قدرة أي من الأحزاب المتنافسة على الفوز بالعدد المطلوب من المقاعد لتشكيل الحكومة منفرداً (50% + 1) أى (276 مقعداً)، حيث حصل الحزب الفائز بالمركز الأول، حزب العدالة والتنمية، على (258 مقعداُ) فقط، ومن هنا اتجهت الأحزاب إلى إجراء مشاروات فيما بينها لتشكيل حكومة إئتلافية، وهو ما فشلت فيه، فكان قرار رئيس الجمهورية، استناداً إلى نصوص دستورية بالدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2015 (أمس الأحد). أى بعد أقل من خمسة أشهر من انتخابات يونيو/حزيران 2015.
وكان اللافت أن انتخابات يونيو شهدت نسبة تصويت 86% من إجمالي عدد من لهم حق التصويت في تركيا والبالغ نحو 57 مليوناً في الداخل والخارج، ومع الإعلان عن انتخابات مبكرة توقع كثيرون عزوفاً سياسياً عن المشاركة، لأن الفاصل الزمني بين يونيو ونوفمبر ليس كبيراً، وأن انتخابات نوفمبر شهدت، وفق البعض تصويتاً عقابياً ضد حزب العدالة والتنمية؛ ولكن كانت المفاجأة التي أطاحت بتحليلات وتوقعات الكثيرين، فقد حافظ الناخبون الأتراك على نفس نسبة مشاركتهم في يونيو، بل وأكدوا عليها في نوفمبر وبلغت نسبة مشاركتهم 86% أيضاً من إجمالي عدد الناخبين البالغ (56.965.099) ناخباً، ثم كانت المفاجأة الثانية هي هذا النصر “الحاسم” لحزب العدالة والتنمية والذي حصل على (49.4% من إجمالي عدد الأصوات) وحصل على 316 مقعداً من إجمالي عدد مقاعد البرلمان البالغة (550 مقعداً) بنسبة 57.4% من إجمالي هذه المقاعد.
وهنا يثار التساؤل عن الحزب الفائز وتوجهاته، ودلالات هذا الفوز في هذا التوقيت.
نشأة وتطور العدالة والتنمية
ففي يونيو 2001، تم تشكيل حزب العدالة والتنمية في تركيا من قبل عدد من النواب الذين انشقوا عن “حزب الفضيلة الإسلامي” الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان، والذي تم حله بقرار صدر من محكمة الدستور التركية في 22 يونيو 2001، وكان هؤلاء المنشقين يُنظر إليهم على أنهم يمثلون جناح المجددين في حزب الفضيلة.
ويطلق بعض المحللين على الحزب لقب “العثمانيين الجدد”، وهو ما أقره الحزب من خلال تصريحات أطلقها أحمد داود أوغلو، عندما كان وزيراً للخارجية، حيث قال في 23 نوفمبر 2009 في لقاء مع نواب الحزب: “إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد. نعم نحن العثمانيون الجدد. ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب. وخاصة فرنسا التي تفتش وراءنا لتعلم لماذا ننفتح على شمال أفريقيا؟
ويتهم علمانيو تركيا الحزب بتطبيق ما أسموه: “خطة سرية لأسلمة البلاد”، وتعيين مسئولين كبار في الدولة “أوفياء له متخرجين عموما من مدارس لتأهيل الأئمة”، وفي 30 يوليو 2008 حكمت المحكمة الدستورية في تركيا برفضها بأغلبية ضئيلة دعوي بإغلاق حزب العدالة والتنمية بتهمة “أنه يقود البلاد بعيدا عن نظامها العلماني نحو أسلمة المجتمع”، إلا أن المحكمة رغم قرارها وجهت رسالة تحذير إلى الحزب وذلك بفرض عقوبات مالية كبيرة عليه عبر حرمانه من نصف ما يحصل عليه من تمويل من الخزانة العامة التركية، ليصرح رئيس الحزب ورئيس الوزراء رجب طيب أوردغان “أن حزبه الحاكم سيواصل السير على طريق حماية القيم الجمهورية ومن بينها العلمانية”.
وقد تطور موقف الحزب خلال الفترة من 2002 وحتي 2015، في الانتخابات البرلمانية وكانت أقوى نتائجه في انتخابات 2007، حيث حصل على 341 مقعداً وحصل على 46.6% من إجمالي عدد الناخبين، ثم جاءت انتخابات نوفمبر 2015 لتعيد للحزب أمجاده حيث حقق 49.4% من الأصوات و316 من المقاعد، لينجح في حسم تشكيل الحكومة منفرداً، ويقترب من القدرة على حسم التعديلات الدستورية التي يتطلع إليها منذ 2007 ولم تتحقق حتى الآن. ويوضح الجدول التالي تطور نسب الحزب وعدد مقاعده في الانتخابات التى شارك فيها بعد تأسيسه عام 2001.
|
جدول يوضح تطور نسب ومقاعد الأحزاب الرئيسة في تركيا بين 2002 و2015 | ||||||||||
|
الحزب |
2002 |
2007 |
2011 |
يونيو 2015 |
نوفمبر 2015 | |||||
|
النسبة |
المقاعد |
النسبة |
المقاعد |
النسبة |
المقاعد |
النسبة |
المقاعد |
النسبة |
المقاعد | |
|
حزب العدالة والتنمية |
34.3% |
363 |
46.6% |
341 |
49.8% |
327 |
40.87% |
258 |
49.4 |
316 |
|
حزب الشعب الجمهوري |
19.4% |
178 |
20.9% |
112 |
26% |
135 |
24.95% |
132 |
25.4 |
134 |
|
حزب الحركة القومية |
8.4% |
0 |
14.3% |
71 |
13% |
53 |
16.29% |
80 |
11.9 |
41 |
|
حزب الشعوب الديمقراطي |
0 |
0 |
0 |
0 |
0 |
0 |
13.12% |
80 |
10.7 |
59 |
وتتعدد دلالات هذا الفوز في الداخل التركي وفي الخارج أيضاً، ففي الداخل وجه هذا الفوز رسالة قوية لدعاة القومية والعصبية في تركيا، وجاء تأكيدأ على حرص الأتراك على تجربتهم التنموية ونموذجهم السياسي الرائد في المنطقة، وعلى وحدة الصف في مواجهة التحديات التي تواجه دولتهم من شرق البلاد وغربها، ومن شمالها وجنوبها، مع اتساع نطاق العمليات العنيفة والتفجيرات إلى معظم المناطق التركية.
دعم للسياسة الخارجية
وفي الخارج يقدم هذا الفوز رسالة لكل القوي الإقليمية والدولية، أن تركيا رقم صعب في المعاجلة الإقليمية، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، وأن نظامها السياسي ما زال يتمتع بالقبول الشعبي، وأن هناك نوع من التوافق الداخلي خلف قياداته، وبالتالي دعماً لتوجهاتها السياسية الداخلية والخارجية، وهو ما يعطي مزيداً من الدعم لهذه التوجهات وخاصة في الملفات شديدة الأهمية سواء في سوريا والموقف من نظامها السياسي القائم، ومن ثورتها ومن لاجئيها، وكذلك الموقف من العراق وتحولاته، ومن الثورة المصرية والنظام العسكري الحاكم في مصر وممارساته، وكذلك من تطورات الأوضاع في اليمن وليبيا والسودان وشمال أفريقيا والصومال، وشرق المتوسط والبلقان والبحر الأسود والقوقاز، وكلها تمثل دوائر مهمة للسياسة الخارجية التركية.
وما شهدته هذه الانتخابات، بغض النظر عن الفائز والخاسر فيها، فإن النتيجة الواضحة والحاسمة أن تركيا تنتصر، بإرادة شعبها، بقدرته على حسم خياراته والدفاع عن هذه الخيارات، وقدرته على العقاب عندما يريد، والدفع والتحفيز عندما يريد، بعد أن أدرك قيمة الحرية بعيداً عن انقلابات العسكر وتجاربهم المأساوية التي دمرت البلاد ودفعت بها إلى مؤخرة الدول لأكثر من نصف قرن حتى عام 2002، لتبدأ مسيرة التحول وتحقيق قفزات هائلة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لا تكشف عنها الآراء والانطباعات، ولكن تؤكدها التقارير والبيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسات دولية وإقليمية.
________________
كاتب وباحث سياسي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
