عبد الرزاق قيراط يكتب: تونس على طريق اليونان!

 عبد الرزاق قيراط*
لا يختلف وزير المالية سليم شاكر في حكومة النداء عن سابقيه من الوزراء التكنوقراط الذين دأبوا على ترويع التونسيّين وتخويفهم من إفلاس وشيك. وقد تفوّق الوزير الحاليّ بما لديه من خبرة في علم المناخ فصرّح محذّرا من “عاصفة قد تتحوّل إلى إعصار” إذا أحجم المجتمع الدولي عن مساعدة البلاد. واللافت في تصريحاته الأخيرة أنّه لا يتحدّث عن فشل حكومته في تحسين الوضع الاقتصاديّ بل عن ” فشل المجتمع الدولي في الإيفاء بتعهّداته لدعم الاقتصاد المنهار في تونس”.
عبارة “الاقتصاد المنهار” تستدعي مقارنة وضعنا بما يحدث في  اليونان، الدولة التي تغرق في دوّامة التقشّف لسداد ديونها المتراكمة. فمن الواضح أنّ “الكفاءات” التي تحكمنا اليوم لا ترى مخرجا من الأزمة المتفاقمة إلاّ بخطّة الإنقاذ التي فرضها الاتحاد الأوروبيّ على أثينا. وتتمثّل في إجراءات قد تؤدّي إلى بيع المؤسّسات الوطنيّة ورهن ممتلكات الشعب التونسيّ مقابل ضخّ التمويلات اللازمة  لسدّ عجز الميزانيّة الجديدة. فقد حثّ الوزير شاكر المجتمع الدولي ومجموعة الثماني على “تمويل برنامج إنقاذ كلفته 25 مليار دولار”. وأكّد خلال جلسة استماع بمجلس نواب الشعب أن ميزانية الدولة لسنة 2016 في حاجة إلى 3.6 مليارات دينار من المال الأجنبيّ، مشيرا إلى نيّة حكومته رهن الملعب الأولمبي برادس لجلب تلك المبالغ الضخمة. وقد أثار ذلك الاعتراف صدمة لدى الأوساط الاقتصادية وعموم التونسيين ما دفع وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية، إلى تكذيب زميله، نافيا علمه بمسألة رهن الملعب المذكور.
غير أنّ التكذيب لا يفيد، ولا يطمئن أحدا بعد أن تواترت تسريبات لوثائق تثبت أنّ وزراء حكومة الحبيب الصيد يساهمون في تخريب الاقتصاد التونسيّ بدل العمل على حمايته من خطر التبعيّة للمؤسّسات الأجنبيّة. وفي هذا السياق، أثيرت فضيحة مدوّية تخصّ وزير الاستثمار والتعاون الدولي الذي أسند لبنك فرنسي خاصّ مهمّة إعداد مخطّط التنمية للسنوات الخمس القادمة مقابل 500 ألف يورو!… وقد طالب النائب الذي نشر الوثيقة المسرّبة باستقالة الوزير بسبب تجاوزه لمبدأ السيادة الوطنيّة السيادة الوطنية وحماية لاستقلاليّة خيارات الدولة التونسيّة وقراراتها، إذْ ينصّ العقد “الفضيحة” على  السماح للبنك الأجنبيّ بالمشاركة في تفاصيل العمل الحكوميّ، و“تتعهّد الحكومة التونسية بتوفير المعلومات التي تعتبر مفيدة للبنك”!
مثال اليونان
إنّها عيّنة بسيطة ممّا يحدث في مكاتب الوزراء حيث تعقد الصفقات بسخاء لفائدة المؤسّسات الأجنبيّة في غفلة من التونسيّين الذين ينتظرون تحقيق الوعود بالتنمية وتشغيل العاطلين والتوزيع العادل لثروات الوطن… وإذا استمرّ الوضع على تلك الحال، فإنّنا سنسقط بسرعة في الحفرة التي سبقتنا إليها دولة اليونان التي لم يعد لها ما تقرّره اليوم، دفاعا عن مصالح شعبها بعد أن فرض عليها صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، إجراءات قاسية، وباتت المؤسّسات الدائنة تتحكّم في سياساتها. فقد استسلمت سلطات أثينا لإملاءات موجعة تحت مسمّيات مستساغة كالإصلاح، وخفض النفقات، والخصخصة. فأقدمت على بيع شركة الكهرباء، وبيع الحصّة المتبقّية للدولة في رأسمال مؤسّسة الاتصالات اليونانية، لتفقد البلاد جميع مؤسّساتها الوطنيّة المثمرة بداية من مكاتب البريد وخدمات المطارات إلى هيئات الموانئ وشركات المياه والكهرباء والاتصالات.. وبتلك الخسائر، سيدفع الشعب المزيد من الفواتير الكارثيّة بعد الزيادة في جميع أنواع الضرائب، والرفع في سنّ التقاعد إلى 67 عاما ليقضي الأجراء أربعين سنة في مواقع العمل.
لقد حوّلت ديون اليونان شعبها إلى “عبيد فقراء”، عاجزين عن تحمّل قساوة إجراءات التقشّف الصارمة التي أدّت إلى تراجع الأجور والمعاشات، وارتفاع الأسعار والضرائب، وتضخّم معدلات البطالة والفقر والانتحار …  وفي سنة واحدة، استهلك ذلك الشعب المنكوب 10 ملايين علبة من العقاقير المقاومة للاكتئاب. وصار حالُه كحال من دخل نفقاً مظلماً بلا نهاية.
درس العــقّاد
تلك هي عاقبة الاعتماد على التداين الخارجيّ بفوائده الربويّة “الوحشيّة” التي تؤدّي إلى استعباد الشعوب والاستحواذ على ممتلكاتهم. وتمثيلاً لذلك المصير، يمكن الاستدلال بمشهد سينمائيّ مُبين، ورد في مطلع  فيلم “الرسالة” للمخرج العالمي مصطفى العقاد رحمه الله، حيث استعرض القيم الجاهليّة التي تنظّم الحياة الاجتماعيّة والاقتصادية في مكّة قبل أن يجهر الرسول محمّد (ص) بدعوته إلى الدِّين الجديد. فركّز على أضرار المعاملات الربويّة بحوار مؤثّر، جمع بين تاجرٍ جشعٍ وأعرابيٍّ فقيرٍ يفاوض متوسّلاً لينجُوَ من ورطة الدّيْن الذي كبّله، إلى أنْ يقول باستغراب وحُرقة: “أنا أسدّد منذ خمس سنوات!”. فيجيب التاجر مصمّماً: “ألا تفهم؟ الربا يتضاعف يتضاعف”. ثمّ يغمز بعينه قائلا: “أهو لك؟”. وعندئذ، يصعق الأعرابيّ خشية أن يفقد حماره. لكنّ الحمار لا يفي بنصف ما عليه كما يلاحظ التاجر، مستهزئاً، وعينُه على الغلام. وهكذا تحلّ المصيبة بالأعرابيّ فيخسر ابنه الذي سيباع في سوق العبيد تعويضاً لدّيْنٍ تضخّم وربا حتّى أصبح سدادُه مستحيلاً.
يتكرّر ذلك المشهد بتفاصيله الصغيرة مع الحكومات الغارقة في الديون حيث تقدّم الجهات الدائنة ذلك التبرير السحريّ القديم في مفاوضاتها فيقول قائلها: “ألا تفهم؟ الربا يتضاعف يتضاعف”. إلى أن يُطرح السؤال المخيف: “أهو لك؟”، ليستسلم الوزراء الفاشلون فيرهنوا الملاعب والموانئ ويفرّطوا في شركات الاتصالات والكهرباء وغيرها من المؤسسات الوطنيّة التي تدير عجلة الاقتصاد. فالربا يتضاعف والفساد يتضاعف في بلدان تتآمر على شعوبها التي تواجه الموت قهراً واكتئاباً وانتحاراً.. فلا جدوى من العقاقير، ومجالس النوّاب، ونصائح الخبراء ورقابة الإعلام وجوائز نوبل للسلام. لا ينفع شيء من كلّ ذلك أمام أشدّ أنواع الإرهاب فتكاً ودماراً، إرهاب الأغنياء والحكومات المستهترة التي تعمل على تفقير الشعوب والهيمنة على مقدّراتها بأنظمة فاسدة وتشريعات جائرة وسياسات مريبة…
والظلم يتضاعف يتضاعف!

____________________________

*كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان