ممدوح الولي يكتب: فى اليوم العالمى للمراحيض

اصطحبت عددا من رجال الأعمال والإعلاميين إلى مناطق فقيرة عسى أن يساهموا فى حل مشكلة غياب دورات المياه هناك بعد قيام اتباع نجيب ساويرس بهدم دورة المياه العامة التى كانت مخصصة للرجال.

ممدوح الولي*

فى اليوم العالمى للمراحيض والذى يذكرنا سنويا فى التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني، أن هناك مئات الملايين من البشر ، مازالوا يعيشون بلا دورات مياه فى منازلهم ، فإن هناك آلاف الأسر المصرية مازالت تعيش بلا دورات مياه حتى اليوم، ولا يقتصر الأمر على قرى الصعيد بل تتواجد الظاهرة بالقاهرة وعلى كورنيش النيل!

عندما جاء الدكتور على المصيلحى وزير التضامن السابق لنقابة  الصحفيين ، لتوزيع جوائز على أبناء الصحفيين المتفوقين، دعوته بعد الحفل الى زيارة ميدانية لإحدى مناطق سكان العشش بالقاهرة، واقترحت له عدة أماكن، فترك لى اختيار  المكان، فذهبنا الى منطقة السكة الجديدة برملة بولاق.

وأوقفنا سيارات الوزير ومعاونيه الفخمة قبل المكان خلف أركاديا مول، ونزلنا مترجلين لتفقد شارع السكة الجديدة، ورأى الوزير بنفسه الناس يعيشون فى حجرات خشبية أو طينية أو قل عشش بلا دورات مياه، ثم انتقلنا مترجلين الى منطقة الكفراوى والعزاوى المجاورة، والواقعة خلف أبراج نايل سيتى على الكورنيش مباشرة، ليرى بنفسه كيف تخلو كل تلك العشش من وجود دورات مياه.

ولم يعلق الرجل على ما سمعه؛ ولكننى سمعت مدير عام العلاقات العامة بالوزارة يسب البلد غاضبا، قائلا إنه ذهب الى أماكن فقيرة عديدة من قبل؛ ولكنه لم يشاهد مثل هذه الدرجة الشديدة من الفقر، ولقد أبلغنى  بعض السكان  أن الوزير أرسل إليهم فى اليوم التالى مبالغ نقدية وعبوة دقيق لكلا منهم.

ولقد اصطحبت الى نفس المنطقة عددا من رجال الأعمال والإعلاميين، عسى أن يساهموا  فى حل مشكلة غياب دورات المياه لديهم، بعد قيام اتباع نجيب ساويرس بهدم دورة المياه العامة التى كانت مخصصة للرجال، نظرا لجوارها المباشر لبرج النايل سيتى الذى يملكه، بينما بقيت دورة المياه العامة المخصصة للنساء والواقعة خلف العشش بعيدا عن الكورنيش، وإن كانت كلها بلا أبواب أو إضاءة.

إسكان الشرك
وليست هذه المنطقة وحدها بالقاهرة التى تخلوا من وجود دورات مياه. فهناك مناطق أخرى عديدة فى ظل انتشار “إسكان الشرك” وهو اشتراك عدة أسر فى السكن فى شقة واحدة، حيث تقيم كل أسرة فى حجرة مهما كان عدد أفرادها، ودورة المياه هنا إما تكون مشتركة لكل سكان الشقة، أو موجودة بالطابق الأسفل لكل سكان الشقق.

وهنا تتعدد الأماكن بالقاهرة، ومنها المنطقة الملاصقة لسور مبنى التلفزيون، أو خلف مؤسسة أخبار اليوم، أو بالشرابية أو بمصر القديمة، كما تنتشر بالمحافظات المختلفة.

 وفى جولة ببعض قرى شرق النيل ببنى سويف، وفى قرية العلالمة والتى تبعد حوالى ثمانية كيلو مترات عن عاصمة المحافظة، كانت غالبية الأسر بلا دورات مياه، وعلمت منهم أن النساء تقضى حاجتهن فى أماكن مخصصة فى أطراف قرى الصعيد .

 مع تكسير لمبات الإضاءة فى الأعمدة الكهربائية المارة إلى تلك المناطق؛ حيث تمنع التقاليد رؤية النساء وهن يقضين حاجتهن بالخلاء، وخلال النهار يتم قضاء الحاجة فى صفائح يتم تفريغها بالمساء، وأن الرجال يقضون حاجتهم فى مسجد القرية، أما الأطفال فيتصرفون بالشارع بجوار جدار المسكن.

وقمت بعرض القضية على ثلاثة من وزراء حكومة عاطف صدقى، كلٍ على حدة، وهم: عاطف عبييد وزير البيئة وقتها، وعلى عبد الفتاح وزير الصحة، وفينيس كامل وزيرة البحث العلمى كى يتم تبنى الحكومة للمشكلة.

وعندما مضى وقت كاف دون تحقق شىء، تحدثت مع عدد من رجال الأعمال  منهم إبراهيم كامل الذى ساهم فى بناء مساكن زينهم إرضاءً لحرم الرئيس مبارك،  وأصحاب شركات اصطحبت بعضهم للمشاهدة على الطبيعة، وتحدثت مع الدكتور هشام الشريف عندما كان مسؤلا عن مركز معلومات رئاسة مجلس الوزراء.

واستجاب لى الدكتور ابراهيم محرم عندما تولى رئاسة جهاز القرية، حيث أقام مائة ألف مرحاض بالصعيد لكن الميزانية نضبت، حين أوقف الدكتور عثمان محمد عثمان الصرف، عندما تم دمج وزارتى  التنمية المحلية التابع لها جهاز القرية مع وزارة التخطيط، وحدثت الوزير فى ذلك مذكرا له أنه ينتمى الى إحدى قرى أسيوط، حيث تزداد الظاهرة لكنه لم يخصص شيئا .

وفى لقاء لمجلس نقابة الصحفيين مع الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء الأسبق لطلب علاوة للصحفيين، حدثته أمام معاونيه عن المشكلة فإذا به يحدثنى عن برنامج الوزارة لمحطات الصرف الصحى لعلاج المشكلة، فأفهمته أننى أقصد أن الحمامات نفسها غير موجودة، فقال إنه للمرة الأولى يسمع عن تلك المشكلة ووعدنى خيرا!

أما عن الكتابة الصحفية عن القضية ، فقد اعتذر أكثر من رئيس لقسم التحقيقات بالأهرام عن نشر الموضوع بدعوى وجود طبعة دولية للأهرام بالخارج، حتى صفحة البيئة رفضت النشر، ولم تستجب سوى صفحة الرأى بالأهرام.

أما الجهات التى عملت بالفعل على نشر المراحيض فى ريف الصعيد، فكانت جهات المعونات الأجنبية، ومنها المعونة الكندية، والمركز الثقافى البلجيكى الذى كان يعطى الأسر قروضا بفائدة بسيطة لإنشاء دورات مياه؛ لكن حجم أعمالهم يعد محدودا بالمقارنة الى حجم إنتشار الظاهرة .
لتظل آلاف الأسر بريف الصعيد وبأطراف المدن تعيش بلا دورات مياه ، وتنتظر النساء قدوم المساء ، حتى يقمن بقضاء حاجتهن بالخلاء ، بما لذلك من أضرار صحية وبيئية .

________________________________

*نقيب الصحفيين المصريين سابقاً
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان