ابتسام تريسي ترصد: نساء تحت حذاء الأسد

ابتسام تريسي*
تكمن الأزمة الحقيقية لمؤيدي النظام من الكتّاب والمثقفين في أنّهم يعرفون أنّهم يكذبون ويدركون الحقائق التي يتعامون عنها ولكنّهم لا يستطيعون التراجع فقد غادروا الحافة منذ زمن بعيد وسقطوا في المستنقع.. تحت حذاء السلطة الآن نساء مخضرمات استخدمهن الأسد شخصياً للترويج لحكمه.. سأختار ثلاثة منهنّ كنموذج عن مثقفي السلطة.
كوليت خوري
اختصر فيلم “من داخل سوريا الأسد” في تقديمه للكاتبة كوليت خوري في لقطة ظهرت فيها في الصف الأول مع بثينة شعبان تحضران مؤتمراً إعلامياً للترويج لنظام القتل والتعذيب في سوريا على النحو التالي “والمرأة ذات الملابس السوداء كاتبة عمود ثابت في أكبر صحف النظام”!
كوليت خوري صاحبة أكثر الروايات إثارة للجدل في سبعينات القرن الماضي “أيام معه” و”ليلة واحدة”..
الروايتان اللتان حولتا إلى مسلسلين إذاعيين الأول لصالح إذاعة مونت كارلو من بطولة حسين فهمي وسعاد حسني، والثاني لصالح إذاعة الشرق الأوسط.
كوليت خوري التي كتبت عن فلسطين واليهود وكتبت عن قانا ودافعت عن حقوق العرب في بلادهم وكتبت أيضاً عن محمد الدرة وذكرت أنّ آلافاً غيره لم تصورهم الكاميرا لا يجدون من يدافع عنهم، كوليت مرّت من المعرض الذي يحوي صوراً لأطفال قتلهم النظام السوري برئاسة سفاحه بشّار الأسد ودخلت القاعة التي يعرض فيها فيلم يدافع عن النظام، وجلست في الصفّ الأول، واستمعت إلى نائب السكرتير العام لحزب الله ووزير الخارجية وليد المعلم ووزير الثقافة الإيراني، وهي تدرك تماماً ما يحدث مع ذلك تقف وراء القاتل وتخفي يديها خشية من منظر الدماء!
فهل تغيّر مفهوم المقاومة لدى حفيدة فارس الخوري؟ أم أنّ أطفال سوريا الذين قتلهم بشّار بالكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية ورصاص قناصيه وجنوده لا يحركون إحساسها كما فعل محمد الدرة؟
كوليت التي قال عنها نزار قباني “هل صادفك أن تعرفت إلى امرأة، هي مدينة؟ أنا متعلق بكوليت لأنّ كوليت تشبه دمشق، لا تستغرب، كوليت بالنسبة لي، هي دمشق”. كوليت التي مثّلت دمشق لنزار قزّمت تاريخها المشرّف إرضاءً لطاغية وأصبحت ممثلة في مجلس الشعب السوري لدورتين ثمّ مستشارة للرئيس في الشؤون الثقافية!
هل الطموح إلى المنصب أعمى عينيها؟ لم تكن كوليت خوري ابنة رجل من عامة الناس ولم تذق الذل والفقر حتّى تغويها المناصب هذا إن سلّمنا بالتحليل النفسي السلطوي.. فكوليت حفيدة فارس الخوري رئيس وزراء سوريا في عام 1944 الرجل السياسي والمفكر الوطني الذي لا ينسى السوريون وقفته في الأمم المتحدة ومطالبته بالاستقلال الذي استطاع انتزاعه بقوة حجته وفصاحته وإيمانه المطلق بوطنه. فارس الخوري الذي أطلق عليها اسم خولة تيمناً بالفارسة العربية خولة بنت الأزور وأملا منه أن تصبح فارسة! كوليت خوري أصبحت فارسة في ميدان الأدب ولها أكثر من ثلاثين مؤلفا في الأدب والتاريخ، كتبت الرواية والقصة والمسرحية والشعر.. ثمّ اختصرت نفسها بكاتبة عمود في صحف النظام تروّج للمجرمين! 
نجاح العطّار
نائبة رئيس الجمهورية وأوّل امرأة عربية تصل إلى هذا المنصب!
وكانت سابقاً وزيرة للثقافة في عهد حافظ الأسد منذ عام 1976 وحتى عام 2000، وفي “عهدها” أقيمت الكثير من المنشآت الثقافية في جميع المجالات، ولها العديد من المؤلفات في الأدب والقصة والمقالات. ويعترف الروائي حنامينة أنها كانت أوّل من شجعه على الكتابة وكانت وراء نجاحه.
وما يثير الاستغراب أنّها شقيقة “عصام العطّار”!
اختيار حافظ الأسد لنجاح العطّار كوزيرة للثقافة وهي شقيقة المراقب العام السابق لحركة الإخوان المسلمين في سورية، اختيارٌ له دلالاته التي لا تخفى على أحد وهو اختيار لم يقصد الأسد من ورائه إرضاء الطائفة السنية في سوريا بقدر ما قصد لفت أنظار الغرب إلى مدى تسامحه مع أعدائه وحكمته في عدم تحميل الأخ جرم أخيه!. وعلى الرغم من حصولها على هذا المنصب الاستثنائي في عهد الأسد الابن إلاّ أنّ أحداً من السوريين لا يعرف ماذا تفعل نجاح العطّار؟ وبماذا تنوب عن الرئيس؟ ولم تظهر في تصريح تلفزيوني أو مناسبة، الأسد الابن سار في اختيارها على خطى أبيه أيضاً متمثلاً حكمته في تلميع صورته العلمانية أمام الغرب.
بثينة شعبان
كانت مترجمة حافظ الأسد الشخصية يصطحبها معه في زياراته الرسمية، عيّنها بشار الأسد مستشارة إعلامية للقصر الجمهوري.. وكانت قبل ذلك وزيرة للمغتربين بمرسوم جمهوري أصدره بشار الأسد في شباط 2006.. الملفت للنظر أنّ بثينة شعبان من عائلة فقيرة من قرية المسعودية وهي من الطائفة العلوية، إلاّ أنّها أيضاً محسوبة على المثقفين الذين ينتمون إلى الأدب والفكر القومي والوطني وهي أيضاً أستاذة جامعية حاصلة على الدكتوراه من جامعة ووريك في إنكلترا، وهي أستاذة الأدب العالمي في الدراسات العليا في قسم اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق، وعضو رابطة كيتس وشيلي في الولايات المتحدة.. ولها العديد من المؤلفات باللغتين العربية والإنكليزية!
بثينة شعبان هي الاستثناء في اختيارات الأسد لأنّها تمثل مثقف السلطة خير تمثيل، فهي الأكثر حماساً في الدّفاع عن عائلة الأسد ونظامه بحكم انتمائها وأصولها، وهي الأكثر كذباً وادّعاء وقد ظهرت على الشاشات العربية بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة بتصريح أذهل العالم بغرابته حين أعلنت بلغة إنكليزية “ركيكة”! _تنسف المتوقع من حاملة دكتوراه باللغة الإنكليزية من جامعة بريطانية_ أنّ الأطفال الذين قتلوا في الغوطة هم أطفال علويون جلبهم الإرهابيون من اللاذقية وقتلوهم في الغوطة ليوجهوا أصابع الاتهام للنّظام البريء من دم يوسف!
ثلاث أديبات مثقفات يقفن وراء نظام القتل ويروّجن له، استغل الأسد الأولى لإرضاء “الأقليات” المسيحية والغرب، والثانية لكسر عين معارضيه من السنة، وبرزت الثالثة كصورة حقيقية لجوهر النظام وطائفيته العفنة.
الأسد الأب كان يختار رموز حكمه بدقة متناهية، والابن لم يتخلَّ عن الحرس القديم؛ لأنّه أصلاً غير مؤهل للاختيار

__________________________

* روائية سورية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان