عبد الرزاق قيراط يكتب: جراح باريس وجراح تونس

عبد الرزاق قيراط*
![]() |
“سلميّتنا أقوى من الرصاص”، صرخة ما زال صداها يتردّد في ميادين مصر، وموقفٌ سياسيٌّ عبّر عنه مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع في مواجهة دبّابات العسكر قبل فضّ اعتصامي رابعة والنهضة.
وبذلك المعنى، تعامل الباريسيّون مع الهجمات الإرهابيّة الأخيرة فخرجوا إلى الشوارع والساحات، وعادوا إلى المطاعم والمقاهي والمسارح حتّى لا تنطفئ أنوار مدينتهم، وتسلّحوا بالورود والشموع والمحبّة لمواجهة الرصاص والدموع والكراهيّة.
وعلى مقربة من باقات الزهور التي تكدّست أمام مسرح “باتاكلان” حيث قُتل أكثر من ثمانين شخصا، سار أحد الأطفال على نهج بديع، فقال في ختام دردشة مع أحد الصحفيّين: “الزهور ستحمينا من الرصاص”.
كان ذلك الموقف العفويّ مؤثّرا وطريفا، فحظى باهتمام الفضائيات العالميّة، وشاهده ملايين الناس على مواقع التواصل الاجتماعيّ. وأصبح ذلك الطفل رمزا للصمود في وجه الإرهاب بعد أن شارك أباه (الفرنسيّ من أصول آسيويّة) في وقفة خاشعة للترحّم على أرواح الأبرياء، وتحدّث أمام كاميرا القناة الفرنسيّة “كنال بلوس” عن الأشرار ومسدّساتهم، وعن ضرورة “مغادرة البلد” هربا منهم قبل أن يتدخّل والده ليطمئنه ويذكّره بالزهور والشموع التي تحيط بالناس لحمايتهم، وعندها ظهرت السكينة على وجه الصبيّ فقال مبتسماً: “نعم، الزهور والشموع تحمينا من المسدّسات”.
هكذا تعامل الإعلام الفرنسيّ مع جراح باريس بقصص تبعث على التفاؤل. فلم نشاهد في نشرات أخبارهم قطرة دم واحدة، أو صورٍ لجثّث الضحايا وأشلائهم، كما جرت العادة في وسائل إعلامنا التونسيّة والعربيّة. فتلك خطيئة لا يُسمح بها في البلدان المتحضّرة التي تحترم الذات البشريّة حيّة أو ميّتة.
ولأنّ الإعلام المهنيّ، يعرف كيف يواري تلك المشاهد التي تفجع الناس وتساهم في الترويج للعقيدة الإرهابيّة، فإنّه يعطي بذلك درسا للمخالفين الذين يعملون على نشر ثقافة القتل والاستئناس برؤية الدماء والأشلاء تماما كالغراب الذي أرسله الله ليُعلّم الإنسان كيف يواري سوءة أخيه.
الجرح التونسيّ
لقد تزامنت هجمات باريس مع جريمة إرهابيّة مروّعة وقعت في قرية جبليّة بمحافظة سيدي بوزيد التونسيّة، حيث أقدمت جماعة متطرّفة على ذبح راعٍ لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره أمام مرافقه الذي يصغره بسنتين، والذي أجبِر على حمل الرأس المقطوعة وتسليمها لأهل الراعي.
وفي غياب وحدات الأمن التي لم تتدخّل لحماية الأهالي ومساعدتهم في العثور على بقيّة الجثّة، أجبرت عائلة الشهيد على الاحتفاظ برأس الضحيّة داخل ثلاّجة الطعام في موقف مأساويّ تقشعرّ له الأبدان وتتصدّع من هوله النفوس؛ ولكنّ ذلك المكروه لم يمنع التلفزيون الرسميّ من فتح الثلاجة وتصوير ما حوته إمعانا منه في تعميق حالة الرعب التي أصابت جميع التونسيّين صغارا وكبارا.
كان ذلك الصنيع خطأ مهنيّا خطيرا، ولكنّه مسلك متكرّر في القنوات التلفزيونيّة التونسيّة ساعدت به الإرهابيّين على الترويج لبربريّة أعمالهم بتصوير الضحايا من المدنيّين والعسكريّين الذين قتلوا في عمليّات سابقة.
وانكشفت بعد ذلك الغايات السياسيّة الدنيئة التي عملت على تحويل تلك المشاهد إلى وقود لإشعال نار الغضب في وجه حكومة منتخبة، فأجبرتها على الاستقالة بإرادة داخليّة تدعمها القوى الخارجيّة المتآمرة على بلدان الربيع العربيّ.
يتحوّل الإرهاب بذلك الاستثمار المشترك بين سياسيّين وإعلاميّين، بعضهم لبعض ظهيرا، إلى غنيمة لتحقيق المكاسب العاجلة والمآرب الخسيسة. وفي هذا السياق، روّجت قناة تونسيّة خاصّة، دأبت على الرفث والفسوق في الشأن السياسيّ، فكرةً بائسةً تزعم أنّ أغلب التونسيّين راغبون اليوم في التنازل عن الحريّة مقابل الأمن.
وكانت تلك المغالطة بإمضاء إحدى شركات سبر الآراء التي تعمل لصالح قوى الثورة المضادّة. وقد ساهمت بما نشرته من مواقف مضلّلة في الانتصار لمراجعات عجّلت بالتطبيع مع النظام القديم وسياساته الاستبداديّة المشؤومة، الأمر الذي انكشف بعد الانتخابات الأخيرة وصار مدعاة للسخرية من تلك المؤسسة المرتشية والإعلاميّين الذين يفسحون لها المجال بانتظام للتشويش على قناعات الناس وثوابتهم، وحملهم على التفريط في مكاسب الثورة التي لا تتعدّى فسحة بسيطة في مجال الحريّات.
أصل الداء
وعلى ضوء ما تقدّم، تتعذّر المقارنة بين الإعلام التونسيّ المتواطئ بجهالة مع الإرهابيّين، والإعلام الفرنسيّ الذي يفعل كلّ ما بوسعه لتضميد جراح باريس حتّى تنهض بسرعة وتقف بشموخ في وجه أعدائها، وتتجلّى أمام زوّارها بأجوائها الاحتفاليّة الدائمة كما وصفتها الكاتبة المصريّة نوال السعداوي في كتابٍ عن رحلاتها حيث انبهرت وهي تشاهد :” فتاة وفتى يتعانقان، يستغرقان في قبلة طويلة، والقطار مزدحم ولا أحد ينظر إليهما، ثلاثة شباب وفتاة يعلّقون على أكتافهم آلات موسيقيّة ويعزفون… في محطّة الشانزليزيه، الوجوه من حولي مشرقة والخطوات مرحة. الملابس أنيقة متعدّدة الأشكال والألوان… أثواب قصيرة تكشف عن سيقان ناعمة ملوّنة. شابّ وشابّة يسيران متعانقَين. الحريّة تتجسّد أمامي…”
تلك هي باريس بعشّاقها وعازفيها ووجوهها المرحة، وحرّيّتها، ودروسها التي تعلّمنا كيف نقف في وجه الإرهاب، الآفة التي نعارضها في كلّ زمان وفي كلّ مكان. فلا مجال للشماتة من باريس بسبب ما يحدث في سوريّا أو العراق أو مصر أو تونس. المجرم واحد هنا وهناك، والإدانة تشمل القاتل مهما كانت هويّة القتيل. والمسؤوليّة تقع في جميع الأحوال على الرعاة الكبار الذين ينثرون القنابل بدل الزهور، ويسوسون العالم بالظلم والعدوان، ويتاجرون بأرواح المستضعفين والأبرياء ولا يلتفتون إلى الجراح النازفة في مشارق الأرض ومغاربها بسبب كثرة الأطماع وغلبة الطغيان. وذلك الجور مؤذن بخراب العمران واستمرار الإرهاب.
_____________________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
