ممدوح الولي يكتب: إجرام وليس إعلاماً

ممارسات وسائل الإعلام المصرية فيما بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 ، تغاضت عن كل تلك المسلمات والبديهيات، دون اكتراث بمصالح الأمن القومي المصري. يتبع
![]() |
ممدوح الولي*
الأصل في المهمة أن توظف وسائل الإعلام أدواتها وجهدها ، من أجل ترسيخ ثوابت الأمة والدفاع عنها ، والحفاظ على وحدة البلاد وسلامها الاجتماعي، سعيا نحو تحقيق أهدافها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لكن ممارسات وسائل الإعلام المصرية فيما بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 تغاضت عن كل تلك المسلمات والبديهيات، دون اكتراث بمصالح الأمن القومي المصري الذى يتطلب تجانسا وترابطا بين كل أفراد المجتمع.
وانحازت هذه الوسائل إلى الجنرال المنقلب على رئيسه المنتخب، وبررت كل تصرفاته الشاذة من قتل وسحل واعتقال وتضييق للحريات، ومصادرة للأموال والشركات والجمعيات الأهلية، واعتقال للنساء والفتيات والطلاب ، بل وقتل الطلاب داخل الحرم الجامعي في أكثر من جامعة.
وتحولت وسائل الإعلام مكتوبة ومرئية إلى لسان حال الانقلاب وليس لسان حال مصالح المجتمع. وهكذا توالت السقطات المهنية خلال فترة ما بعد الانقلاب وحتى الآن بالتحريض على المعارضين لممارسات الجنرال المغتصب للسلطة، وتبرير سفك دماء المناوئين لانقلابه مرات عديدة، من مذبحة نادى الحرس الجمهوري ومجزرة المنصة، وما تلاها من أعمال سفك للدماء في العديد من الميادين والمدن والقرى بالمحافظات، والتي كان أكثرها دموية الفض الإجرامي لميدان رابعة العدوية وميدان النهضة بالجيزة.
وواكب ذلك التوسع في الاعتقال لكل المعارضين، وتلفيق التهم لكل من وقف على منصة ميدان رابعة بشكل غير منطقي، مثلما حدث مع اتهام البعض بالمشاركة في إحداث صدام مع الشرطة في أماكن بعيدة لا رابط بينها ، حيث تجد نفس الشخص متهما بالمشاركة في أحداث رابعة والجيزة وقليوب والإسماعلية وغيرها؛ رغم وقوع بعضها في زمن واحد.
وها هو المستشار الخضيري يحاكم بتهمة التعدي جسمانيا على شخص بميدان التحرير، وآخرين لتعذيب شخص بميدان رابعة، وحازم أبو اسماعيل بتهمة تزوير جنسية والدته، وتلاميذ صغار بتهمة رسم شعار رابعة العدوية على أدواتهم الدراسية، أو وجود صور لمشاهد من رابعة داخل تليفوناتهم المحمولة.
التشهير
وتغافل الإعلام عن مشاركة الطائرات في مطاردة وقتل المتظاهرين السلميين في ميدان رابعة وميدان رمسيس وبعض قرى الصعيد ، وإصابة الآلاف، واعتقال آلاف آخرين من صفوة المجتمع من عمداء كليات وأساتذة جامعات وبرلمانيين ومهنيين بارزين، بل وصل حد الإجرام للتشهير بهؤلاء حتى قبل الحكم عليهم .
ووصل حد الإساءة الى الرئيس المنتخب حدا غير لائق أخلاقيا ، ونفس الإساءة إلى عدد من الوزراء والبرلمانيين واتهامهم باتهامات تتصل بالذمة المالية والاستيلاء على أراضي الدول؛ رغم عدم استطاعتهم الرد على تلك الأكاذيب لوجودهم في دهاليز سجن العقرب، وامتد الأمر إلى كل من عاون أو تعاطف مع معارضي الانقلاب سواء بالداخل أم بالخارج.
واستمر التحريض على منظمة حماس لتتحول إلى العدو الأول لمصر، بدلا من إسرائيل، ليسفر الأمر عن تبرير تدمير الأنفاق التي توفر لأهل غزه بعض السلع الأساسية، وإغراق الحدود مع غزة، وتكرر ذك في الانحياز لروسيا عندما أسقطت تركيا طائرة لها اخترقت المجال الجوي التركي .
حتى الممارسات الوحشية للانقلاب تجاه الإعلاميين من قتل بعضهم وإصابة آخرين، وسجن العشرات وإغلاق القنوات الفضائية ومكاتبها واقتحام المقار والبيوت وتكسير الكاميرات، كل ذلك تغافل عنه إعلام الانقلاب.
وبالطبع روج إعلام الانقلاب لمشروعات الانقلاب الاقتصادية، رغم تنفيذها بلا دراسات جدوى مثل تفريعة قناة السويس. ولم يخجل إعلام الانقلاب والفشل يتوالى من مشروع إلى آخر مثل مشروع بناء مليون وحدة سكنية للبسطاء ونتائج المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ وشركة أيادي لتشغيل الشباب غيرها.
شذوذ بدون حدود
ومارس الإعلام شذوذه بدون حدود، فعندما كان يلوم الرئيس مرسى لضعف إنجازاته رغم مرور عام على توليه ، واعتبار ذلك مسوغا لإبعاده عن منصبه، فإن نفس الإعلام يلتمس الإعذار لقائد الانقلاب بعد مرور عامين ونصف على انقلابه، دون تحسن ملموس في الأحوال المعيشية.
ونفس الإعلام الذى هاجم الدستور الذى تم إقراره في عهد الرئيس مرسى، هو نفسه الذى يصمت مع التعطيل التام لتنفيذ نصوص دستور 2014 ، خاصة فيما يخص الحريات وغيرها، ونسب التصويت العالية المعلنة رغم مشاهدة الجميع خلو اللجان من الناخبين.
وامتد ذلك إلى تمثيلية الانتخابات البرلمانية التي جرت ما بين أنصار قائد الانقلاب، والتغاضي عن دور المال السياسي، ونفس الإعلام الذى كان يستنكر مساعدات قطر لمصر في عهد الرئيس مرسى ويطالبه بالكف عن التسول، لا يجد غضاضة في مساعدات الإمارات لمصر .
ونفس الإعلام الذى كان يهاجم مشروع محور تنمية قناة السويس باعتباره تفريطا في حقوق المصريين، هو نفسه الذى يفاخر بالمشروع، ونفس الإعلام الذى كان يروج للدعوة للانتخابات الرئاسية المبكرة قبل مرور عام على حكم الرئيس مرسى، هو نفسه الذى يدعو لمحاكمة عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية عندما دعا لانتخابات رئاسية مبكرة ، بل والدعوة لمحاكمته بتهمة الخيانة.
وبالطبع كان التماس العذر وإيجاد التبريرات لقائد الانقلاب مع تدهور المؤشرات الاقتصادية في عهده من زيادة للدين الداخلي والخارجي، وتراجع الصادرات وزيادة العجز بالميزان التجاري بل وتراجع إيرادات قناة السويس خلال الشهور الثلاثة التالية على افتتاح تفريعتها، وتدهور قيمة الجنيه المصري رغم المعونات الخليجية؛
لأنه ببساطه يمارس نوعا من الإجرام المستمر الذى لا علاقة له بالإعلام.
____________________________
*نقيب الصحفيين المصريين سابقاً
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
