عبد الرزاق قيراط يكتب: لماذا اختفت الجثة 14؟

*عبد الرزاق قيراط

ضرب الإرهاب هذه المرّة في قلب العاصمة التونسيّة على بعد أمتار من وزارة الداخليّة واستهدف سلك الحرس الرئاسيّ الذي يتكونّ من نخبة مهمتها حماية رموز الدولة. وهي الفرقة الأكثر تدريبا وخبرة في التصدّي لجميع أنواع الهجمات، وقد نجحت في حماية السفارة الأمريكيّة من غزوة كاسحة قادتها الجماعات السلفيّة خلال فترة الترويكا…
استهداف هذه النخبة وقتل اثني عشر فردا من خيرة أبنائها، يعكس تطوّرا ملحوظا على مستوى الإعداد وتوقيت التنفيذ واختيار الهدف من حيث رمزيّته إلى الدولة وتحديدا إلى شوكتها التي كسرت، للأسف الشديد، بسبب ما ذكره العارفون من ضروب الإخلال والتهاون والتراخي، وغياب الخطط المحكمة الواضحة لمحاربة الإرهاب، وافتقار الداخليّة لجهاز استخباريّ محترف يلاحق الأشخاص الذين يشتبه في انتمائهم إلى تنظيمات تكفيريّة متطرّفة بتعقّب تحرّكاتهم ومراقبة مكالماتهم وعلاقاتهم كما يحدث في بعض البلدان المتقدّمة حماية للوطن والمواطنين.
والأخطر من ذلك كلّه، أنّ الإرهابيّين نجحوا هذه المرّة في زعزعة أجهزة الدولة فشاهدنا الداخليّة تتهم القضاء والقضاء يتّهم الداخليّة ويستنكر كذبها وتزييفها الحقائق  بخصوص الإرهابيّ الذي فجّر نفسه. قالت الداخليّة إنّ ذلك الإرهابيّ (صاحب الجثة عدد 13) شابّ معروف لدى أجهزتها وقد تمّ القبض عليه في الصائفة الماضية، ولكنّ قاضي التحقيق أطلق سراحه لعدم كفاية الأدلّة.. لكنّ نقابة القضاة أنكرت واستنكرت تلك الرواية التي اعتبرتها شديدة الخطورة لأنها تستهدف جهاز القضاء وتتهمه بالتواطؤ مع الإرهابيين. وأكّدت روضة العبيدي رئيسة نقابة القضاة أنّ ” الإرهابي حسام العبدلي لم يتمّ إيقافه ولا محاكمته أبدا”، ودافعت عن القضاة الذين لا يحاكمون الناس اعتمادا على الشبهات، بل بما تمليه القوانين والملفّات المتضمّنة للأدلّة والبراهين. واستغربت نقابة القضاة من جهة أخرى حملة الخائضين في وسائل الإعلام على منظومة حقوق الإنسان واعتبارها عائقا أمام مقاومة الإرهاب مؤكّدة أنّه لا نجاح في مواجهة الإرهاب إلاّ باحترام حقوق الإنسان.
غياب الوحدة
وبنا ء على ما تقدّم، نلاحظ غيابا خطيرا للوحدة والتناغم بين أجهزة الدولة التي أعلنت حربا على الإرهاب تقودها حكومة ضعيفة لم تعيّن بعد وزيرا جديدا للعدل، بل حوّلت ملفاته الثقيلة لمكتب وزير الدفاع الذي لن يتحمّل أعباء وزارتين لمدّة طويلة في ظروف تحكمها حالة الطوارئ والحرب على الإرهاب. وعكست وسائل الإعلام في منابرها المتهافتة من جهة ثانية غياب الوحدة الوطنيّة التي يتطلّبها الظرف العصيب. فشاهدنا من يجادل في السياسة بغير علمٍ ولا هدىً ولا برهانٍ، “ويتّبع كلّ شيطان مريد”. ومثّل المشهد الإعلاميّ المهيمن بعد العمليّة الإرهابيّة الأخيرة نسخة رديئة لما وقع بعد اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمّد الابراهمي. فاستهدف الإسلام السياسيّ وحركة النهضة بالخصوص، وحمّلت مسؤوليّة الدماء التي سالت وتعالت الأصوات المطالبة بإقصائها عن العمل السياسيّ على نحو يشي بتوظيف سياسيّ تآمريّ يعرّض العمليّة التفجيريّة الأخيرة إلى أسئلة وشكوك تحرج رواية الداخليّة بخصوص طبيعتها وأهدافها الحقيقيّة.. فالإرهاب الذي يرتكبه تنظيم داعش، إذا لم يُواجه بوحدة وطنيّة صمّاء مثلما وقع في فرنسا على سبيل المثال، يصبح إرهابا من نوع آخر يبرّئ داعش ويورّط المستفيدين من دعوات الإقصاء لخصم سياسيّ يزداد قوّة بفضل انضباط مكوناته وحسن تنظيمه هياكله.
وفي هذا السياق المتصل بالصراع الحزبيّ، نلاحظ استمرار الشقاق بين مكونات الحزب الحاكم، فلم يتوحّد  “نداء تونس” حتّى بعد العمليّة الإرهابيّة فأصدر على عكس جميع الأحزاب والمنظمات بيانين، الأوّل بتوقيع محسن مرزوق، والثاني بإمضاء حافظ السبسي نجل الرئيس الذي يتهم بالسعي للانقلاب على هياكل الحركة تمهيدا للوصول إلى الحكم.
الجثّة رقم 14
تلك هي الجثّة رقم 14، فحزب النداء اليوم ممزّق إلى أشلاء بالرغم من مسؤوليّته الجسيمة في تسيير المؤسسات الحكوميّة. ولذلك يتحمّل عبء المساءلة والتحقيق لمعرفة دوره في ما يحدث من تناحر تجاوز هياكله ومكوناته إلى أجهزة الدولة التي ينبغي حمايتها من خطر الصراع الحزبيّ. غير أنّ الإعلام التونسيّ تجنّب الاقتراب من تلك الجثّة خوفا وطمعا، وسار كعادته في طرقاته المعبّدة، واحترم علامات المرور والإشارات الضوئيّة الحمراء التي تأمره بالتوقّف أو الانعراج يمنة ويسرة أو العودة من حيث أتى عندما يغامر بالدخول في  الممرّات الوعرة التي تكون ممنوعة أو مقطوعة. إنه كعادته إعلام معطّل للعقل لا يحبّ الشكوك أو الحديث عن الشقوق، لذلك استنجد ببعض الوجوه التي اختفت في الفترة الأخيرة من اليساريّين المتطرّفين الذين لا يرون مخرجا من جميع الهموم إلاّ بحلّ الجمعيّات الخيريّة وإغلاق المساجد، وإقصاء الإسلاميّين، المتّهمين بجميع الشرور مثل “تصنيع  الإرهاب وتبييضه وتمويله، وتسفير الجهاديّين إلى بؤر التوتّر”…
وهكذا يتطوّر الإرهاب فيضرب السلك الأمنيّ الأكثر تنظيما وانضباطا. ويتقهقر الإعلام فيقسّم التونسيّين من جديد متجاهلا دعوات لا حصر لها تنادي بالوحدة الوطنيّة لمجابهة العدوّ. وكان آخرها على لسان الحبيب الصيد فقال إن “العملية الإرهابية التّي استهدفت حافلة الأمن الرئاسي، هدفها زعزعة أركان الدولة”. وأكّد أن “الحرب على الإرهاب تتطلّب تضحيات، وهي مسؤولية وطنية، وعلى كل الأحزاب والمنظمات أن تكون في صفّ واحد لمقاومة خطر الإرهاب”.
جميل ما قاله الصيد، ولكنّها كلمات تكرّرت حتّى فقدت معانيها وأثبتت أنّ الحكومة في النزع الأخير.. ولعلّ رحيلها القريب سيفيد الدولة أكثر من بقائها في حالة عجز أقرب إلى الوفاة.. إنها ضحيّة أخرى من ضحايا التفجير السياسيّ الذي يحدث أيضا من حين إلى حين ولكنّ الجثّة الناسفة سرعان ما تختفي  فلا يذكرها المتكلّمون حماية للدولة من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

___________________________

*كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان