ابتسام تريسي: للغباء عناوين بارزة في سوريا

منذ بداية الثورة السورية والمفاجآت الغريبة العجيبة تصدمني بمواقف الناس وغباء الكثيرين الذين لا يزالون يؤيدون القاتل ولا يريدون أن يروا ما يحدث في سوريا. يتبع

ابتسام تريسي*

منذ بداية الثورة السورية والمفاجآت الغريبة العجيبة تصدمني بمواقف الناس وغباء الكثيرين الذين لا يزالون يؤيدون القاتل ولا يريدون أن يروا ما يحدث في سوريا.

حاولت البحث عن أصل البلاء، فوجدت أنّه الغباء! وللغباء عناوين بارزة في سوريا كعناوين الصحف الرئيسية، تصدم وتترك وراءها الكثير من التساؤلات!

منذ خمس سنوات اعتزلت مشاهدة التلفزيون السوري وأخباره الكاذبة؛ لكنّي أثناء البحث في اليوتيوب منذ أيام تعثرت بمشاهد من برامج أيام زمان، وعادت بي الذاكرة إلى الطفولة والشباب وأنا أشاهد مقطعاً من ذاكرة التلفزيون السوري للمذيعة ماريا ديب. وماريا لمن لا يعرفها، اسمٌ لمع في إعلام البعث منذ استلام حافظ الأسد للسلطة بداية السبعينات من القرن الماضي.

سئلت ماريا ديب يوماً عن رأيها بالفنان وديع الصافي، فقالت والابتسامة العجيبة تزيّن وجهها الصبوح “له مستقبل”!

وماريا تخصصت بتقديم برنامج “ما يطلبه الجمهور”، وهي التي لم تكن تعرف أسماء المدن السورية وتلفظها بشكل خاطئ كما تتعثر في نطق “كنية” معظم من يرسلون طلبات للأغاني؛ ولكنها ولله الحمد – وهذا يحسب في ميزان حسناتها – كانت تقرأ أسماء الأغاني وأسماء المطربين بشكل صحيح. ثم قدمت الكثير من البرامج المنوعة منها “ألوان” ماريا استضافها المذيع أمجد طعمة في برنامجه “اكسترا” بعد ثلاث سنوات من القتل الممنهج في سوريا، وهي ما تزال متفائلة بأنّ القادم أجمل وأنّه لا يوجد بلد أجمل من سوريا وهي لا تفكر بمغادرته. ومن حسناتها في هذا الحوار أنها اعترفت أكثر من مرة أنّها إنسانة محظوظة وأخذت أكثر مما تستحق! وأيضاً لم تقترب من الشأن السياسي لا من قريب ولا بعيد، وهذا لا يضعها في منطقة التشبيح، وختم اللقاء بدمعتين ذرفتهما ماريا على الوطن!

هل أصدّق دموع ماريا؟ لا أشكّ أنّ دموعها التي سبقتها حركة من يدها تدل على التوتر وتسبق الغصة، صادقة. نعم كانت ماريا صادقة جداً في هذا الحوار، وهذا ما وضعني أمام سؤال مهم: كيف نستطيع طمس الجانب الإنساني للبشر حين يكونون في الجهة الأخرى، الجهة القاتلة، الجهة التي تبيد البشر والحجر وتستعدي علينا كلّ الأمم؟ كيف لي أن أُخرج ماريا من هذا السياق لأتعاطف مع دموعها التي ذرفتها على الوطن!

وطن غير الوطن
أيكون وطن ماريا ديب غير الوطن الذي ينتمي إليه من قُتل على امتداد ساحة الوطن من درعا لريف دمشق لحمص إلى حماه وحلب ودير الزور؟

هل الوطن الذي تنتمي إليه هو وطن البراميل أم وطن من تقع على رؤوسهم البراميل؟

هل الوطن الذي تنتمي إليه هو الوطن الذي يدافع عنه حزب الله والثمانية عشر فصيلاً إيرانياً ومن ثمّ الطيران الروسي؟ أم وطن القتلى من أبناء سوريا في المناطق المحرّرة وخاصة التي تخلو من داعش؟

هل يكفي الغباء بمفرده لنقول عمن غُسِلت أدمغتهم وتساقطت الدموع من أعينهم إنّ مشاعرهم صادقة؟
ماريا التي سوسحت القبطان والبحرية، بحسب أغنية فيروز، كنّا نحن السوريين البسطاء نظنّ أنّها مسيحية، شخصياً لم أعرف أنّها من الطائفة (الكريمة) إلا بعد ظهور ابنها الشبيح “عمّار وقّاف” بعد الثورة السورية على شاشة التلفزيون السوري وتصريحاته الطائفية الكريهة. عمّار الذي تفخر ماريا أنّها تُكنّى به فمنذ جاء عمّار صار اسم ماريا “أم عمّار” وتكاد تكون المذيعة الوحيدة التي يناديها الناس والإعلام وكل من حولها بـ”أم عمّار”.
لكن “كله كوم” وأن أسمع مؤخراً أنّها ابنة شفيق فيّاض “كوم آخر”! ويقع الحق في هذه الصدمة على صديق فيسبوكي نشر الخبر على صفحته.

شفيق فيّاض يعرفه السوريون جميعاً، معارضون ومؤيدون، فقد كان له في كلّ مجزرة حصة بدءاً بمجازر حماة في الثمانينات من القرن الماضي ومروراً بمجزرة جسر الشغور وأريحا، وهو الذي يستحق مع رفعت الأسد أن يُصنع لهما تماثيل لإخافة الشعب بدلاً من تماثيل الأسد الأب التي تملأ مداخل المدن السورية وساحاتها.

أمّا عن أبوته لماريا ديب فهو أمر لا أعرف كيف حدث، لكنّ الشبيح عمّار وصفه “بجدي” حين نعاه إلى جهنم التي تنتظر أمثاله. فهل يصح أن يكون أباً لماريا وهي تحمل اسماً لا ينتمي إليه؟ والله في دولة البعث كلّ شيء ممكن! وبما أنّ دولة البعث حوت العجائب والغرائب ابتداءً من إسلام مؤسسها ميشيل عفلق الذي أطلق على نفسه اسم أحمد ودفن في تراب العراق، وليس انتهاءً بتغيير الدستور في يوم وليلة كي يستطيع بشّار الأسد استلام السلطة بعد موت أبيه؛ فليس غريباً أن تكون هي ماريا ديب ووالدها شفيق فيّاض، فعلى رأي عادل إمام في شاهد ما شفش حاجة “أنا ليا واحد صاحبي كده برده، بس هو اسمه زكي عبد المجيد وبنته اسمها ناديا خليل محمد”!
أي نعم.. كل شيء بيصير، وعلى رأي فيروز في مسرحية المحطة (بطاطا تصير محطة وترين يمشي بلا خط، وكل شي بها البلد بصير)! بس فيكم تعرفوا الوطن لمين؟

________________________________

* روائية سورية 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان