نصر الدين قاسم يكتب: الجزائر.. صراع السرايا ومأزق “العدالة”

فجأة خرج الفريق محمد مدين رئيس المخابرات الجزائرية السابق عن صمته، ظن الجزائريون أنه لن يخرج عنها هذا العسكري الكبير.
![]() |
نصرالدين قاسم*
فجأة خرج الفريق محمد مدين (المعروف بالجنرال توفيق) رئيس المخابرات الجزائرية السابق عن صمته، وعن واجب التحفظ، وعن إلزامية احترام قرار القضاء، وعن أشياء كثيرة أخرى، ظن الجزائريون أنه لن يخرج عنها هذا العسكري الكبير، اللغز الذي خاله الشعب غولا كبيرا لما سمعوا عن جبروته، وطغيانه، وأشياء أخرى يتناقلها الجزائريون من شفاه إلى آذان.
الجنرال توفيق آلمه وحركه قرار المحكمة العسكرية في حق أحد عناصره بالسجن خمس سنوات سجنا نافذا، بتهم أقل ما يقال عنها أنها غامضة وهلامية أهمها “الإخلال بالتعليمات العامة، وإتلاف وثائق ذات طابع عسكري”! ويتعلق الأمر بالجنرال المتقاعد عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بـ”حسان”، مسؤول مكافحة الإرهاب في جهاز الاستخبارات سابقا، وليس غيره رغم أن العدالة تتابع أكثر من جنرال بتهم وقضايا مختلفة.
صمت دهرا
الفريق توفيق عبر في رسالته عن ذهوله أمام “قسوة الحكم” قائلا: “أصبت بالذهول جراء الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية بوهران في حق اللواء حسان..”، ثم استعرض شهادته مبرئا ساحة موظفه، مؤكدا أنه قام بعمله تحت إمرته، ووفق التعليمات والانضباط اللازمين، مؤكدا:”فيما يخصّ العملية التي أُدين بسببها بتهمة (الإخلال بالتعليمات العامة)، فإنّـني أؤكّد بأنّه عالج هذا الملف باحترام المعايير، وبتقديم التقارير في الوقت المناسب”، وعليه ختم الفريق رسالته مبرئا ذمة صاحبه، ومعتبرا حكم المحكمة ظلما وإجحافا في حقه فكتب مطالبا:” الأمر المستعجَل اليوم يَكْمُن في رفع الظلم الذي طال ضابطا خَدَم البلد بِشَغَف”
رسالة الفريق صنعت الحدث وشغلت الجزائريين طيلة هذه الأيام ولا تزال تثير الكثير من ردود الفعل والتحاليل والتنبؤات سواء من لدن العسكريين أو السياسيين أو الإعلاميين وحتى عامة الشعب، وانقسم القوم في كل مكان بين مناصر لفريق الرئيس وحاشيته، وتابع لجماعة الجنرال توفيق وزمرت؛ لكن الملاحظة الغريبة التي لم ينتبه إليها إلا القليل، أن الرسالة – وغيرها من ردود الفعل الأخرى ذات الصلة- حركت الجميع باستثناء الموجهة إليهم، أو بعبارة أدق باستثناء الجهة التي من المفروض أن تكون هي أول من يتحرك لأنها تعنيها مباشرة، وتتحداها حتى لا أقول تدينها صراحة، وتضرب مصداقيتها في الصميم، وهي “العدالة”.
ازدراء القضاء يعاقب عليه القانون
“العدالة” لم تتحرك، ولم تصدر أية ردة فعل رغم أن الرسالة تتمحور أساسا حول حكمها الصادر في حق الجنرال، وتعتبره ظلما طال ضابطا خدم البلد بإخلاص، أو كما كتب الجنرال توفيق. ليس هذا فقط ففي مضمون الرسالة ما يؤكد صراحة أن ما قام به الجنرال لم يكن مخالفا للتعليمات، بل كان تحت إمرة مسؤوله أي الجنرال توفيق، وبعلمه بل هنأه عليه وشجعه كما قال: “بعد النتائج المُـرْضية التي تمّ إحرازها في المرحلة الأولى للعملية، هنّـأتُه – هو ومساعديه –وشجّعته على استغلال كلّ الفرص السانحة بفضل هذا النجاح. وبالتالي، فلقد سَيّر هذا الملف وِفق القواعد المعمول بها”.
وهذا لعمري اعتراف صريح ومباشر بأن ما اتهم به الجنرال حسان مسؤول عنه مسؤوله المباشر، وهذا معطى جديد في القضية يجب أن يعيدها إلى نقطة البداية حسب الأعراف القضائية، والعسكرية وأبسطها استدعاء الجنرال توفيق حتى لا أقول محاكمته. وهذا ما أشار إليه عسكريون قبل المدنيين، فقد أكد اللواء المتقاعد عبدالعزيز مجاهد: “إن المنطق كان يقتضي أن يحاكم مرتكب الخطأ ومسؤوله”.
ناهيك عن تعليقات المحامين والقانونيين والحقوقيين والسياسيين والإعلاميين والمحللين الذين أدلوا بدلائهم في القضية ولم يجاملوا “العدالة”، بل طعنوا عليها، فإن رسالة الفريق سبقها تصريح خَطِرٌ وصادم في حق “العدالة” ومهين لها، ومدين لحكمها، من طرف عسكري آخر؛ لكنها لم تحرك ساكنا أيضا.
الجنرال المتقاعد خالد نزار –وزير الدفاع الأسبق – لم يعر “العدالة العسكرية” أي احترام ولم يحسب لتصريحه أي حساب عندما صرح قائلا:” هذا الحكم جريمة وافتراء في حق الجنرال آيت وعرابي (حسان) وعائلته”.
قوانين الجمهورية – لو كانت محترمة – واضحة في هذا الشأن، فالمادة 147 من قانون العقوبات الجزائري واضحة ومباشرة ولا تقبل التأويل إذ تنص حرفيا: “الأفعال الآتية تعرض مرتكبيها للعقوبات المقررة في الفقرتين 1 و3 من المادة 144. (أي …الحبس من شهرين (2) إلى سنـتين (2) وبغرامة من 1.000 دج إلى 500.000دج أو بإحدى هاتين العقوبتين)
1 – الأفعال والأقوال والكتابات العلنية التي يكون الغرض منها التأثير على أحكام القضاة طالما أن الدعوى لم يفصل فيها نهائيا.
2 – الأفعال والأقوال والكتابات العلنية التي يكون الغرض منها التقليل من شأن الأحكام القضائية والتي يكون من طبيعتها المساس بسلطة القضاء أو استقلاله.”
فرصة لإثبات “استقلالية القضاء”
حقيقة قد تكون أطوار محاكمة الجنرال حسان غير عادلة، فقد تمت في جلسات مغلقة، وقد تكون محاكمة سياسية أو نتاج صراع بين القوى المتناحرة في قمة السلطة أو تصفية حسابات كما يقال هنا وهناك وتتداوله وسائل الإعلام؛ لكن هذا لا يلغي المبدأ، مبدأ احترام أحكام القضاء واتباع السبل القانونية في الطعن والتظلم، في دولة يدعي الجميع أنها دولة القانون بمن فيهم هؤلاء الثائرون على القضاء الآن، عندما كانت تحكم بما يروقهم.
ومن غير المعقول أن تبقى “العدالة” “عاجزة” “صامتة”، تُقصف من كل جانب، ويُطعن في شرفها دون حراك، لأن هذا في آخر المطاف يؤكد تهمة خطرة يرددها الكثيرون، ويستشهدون بها في تحاليلهم ومرافعاتهم، ويؤمن بها الكثير من الجزائريين مفادها أن “العدالة” ما هي إلا أداة في يد الفريق الأقوى يحسم بها معاركه ويصفي بها حساباته.. فكما استعملها توفيق وزمرته في سنين خلت، ها هي تُستعمل ضدهم.. وأنها لا تطبق أحكامها وتمارس سلطانها إلا على المواطنين البسطاء والضعفاء.
القضاء اليوم كغيره من السلطات، على المحك أمام تحديات كبيرة تضعه في مأزق صراعات السرايا، وتحرجه أمام المواطنين، إن هو ظل يكيل بمكيالين، وهي بالمقابل فرصة أيضا لتدارك ما يمكن تداركه والتأسيس لاستقلالية القضاء على وقع الصراعات بين العصب الفاعلة والزمر الحاكمة، والاستفادة من مزايا توازن القوى لاسترجاع هيبة القضاء وسلطان القانون.
________________________________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
