عصام تليمة يكتب: هل كان طه حسين ينكر الغيبيات؟!

الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، انتشرت عنه فكرة، روج لها كثير من كتابنا الإسلاميين، أن الرجل كان علمانيا، وينكر الثوابت والغيبيات. يتبع
![]() |
عصام تليمة*
من المؤسف في دراساتنا العربية والإسلامية عن الشخصيات، أن الكثير –إلا ما رحم ربي- يعتمد على ما يشتهر عن الأشخاص من مواقف، دون جمع كل ما ورد عنها، وهل كانت بداية المفكر كنهايته، أم اختلفت وغير من مواقفه؟ ويظل كثير من الدارسين أسر فكرة واحدة عن المفكر، أو الكاتب.
ومن هذه الشخصيات التي ظلمت جراء تبني فكرة معينة عنه: الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، فقد انتشرت عنه فكرة، روج لها كثير من كتابنا الإسلاميين، أن الرجل كان علمانيا، وينكر الثوابت والغيبيات، وقد غير طه حسين كثيراً من أفكاره، التي كانت مثار جدل حوله، لكن للأسف ظل في مخيلة وضمير كثير من كتابنا الإسلاميين أنه لم يغير شيئا، وذلك بسبب عدم تقصيهم وبحثهم حول طه حسين وغيره من هذا الجيل، الذي بدأ حياته الفكرية متأثرا بمنهج الأوربيين وفكرهم في الكتابة عن الإسلام، ثم كانت لهم عودة قوية في عرض الإسلام، والكتابة عنه كتابة مؤمنة. بل بلغ الأمر بأحد الكتاب الإسلاميين وهو الأستاذ أنور الجندي رحمه الله، على علمه وفكره، أن كتابه عن طه حسين يفتقد في مواضع منه إلى العلمية والمنهجية، والحقائق والوثائق.
وأنقل هنا نصا لطه حسين يوضح فيه بجلاء موقفه من الغيبيات والمعجزات، وإيمانه بذلك، وهو نص غير مشهور، فبعد سقوط الخلافة في تركيا على يد كمال أتاتورك، قدم إلى مصر شيخ الإسلام في تركيا العلامة الشيخ مصطفى صبري، بعد محاولة نظام أتاتورك البطش به، وظل الرجل في مصر حتى وفاته، وقد اتصل بكثير من العلماء والمفكرين في مصر، وكان ممن اتصل بهم: الدكتور طه حسين، وأهدى له كتابه (القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون)، ويبدو أنه أرسله لطه حسين، كي يقتنع بالإيمان بالغيب، ربما لما أشيع عن طه حسين وقتها، وموقفه في كتابه الأول (في الشعر الجاهلي)،
يقول طه حسين في هذا النص غير المشهور:
“إني لا أفهم لإنكار المعجزات معنى، ولا أفهم أن يُحكَّم العقل الإنساني، الذي مهما يقوى؛ فهو ضعيف في أمور لا يستطيع أن يبلغ كنهها، والأمر لا يعدو إحدى اثنتين: فإما إيمان فيه اعتراف بالنبوة، وما تقتضيه هذه النبوات، وإما جحود للنبوات، وما تقتضه، وأبغض إليّ أن يؤمن الناس ببعض الكتاب، ويكفرون ببعضه الآخر.
وقد رأيت الشك من سماحتكم شيئا من الشك في بعض ما كتبت، ولكني أعتقد أنكم لو قرأتم كتبي في شيء من الاستقصاء والتعمق؛ لاقتنعتم بأمرين؛
أحدهما: أني لا أحب التأويل، ولا أميل فيه إلى آراء الشيخ محمد عبده رحمه الله، ولا أحب أن تُحمَّل النصوص ما لا تحتمل، ولا أن أخضع الدين للعلم، لأن العلم يتغير، والدين ثابت.
الثاني: أني لم أنكر المعجزات الكونية، ولم أنكر معجزة ما، وقد لامني في ذلك صديقي هيكل باشا حين كتب عن الجزء الأول (من هامش السيرة)، وظن: أن في تحدثي عن المعجزات خطرا على عقول الشباب، ولكن الحق شيء، ولوم اللائمين شيء آخر”.
فهذا نص واضح للرجل، وهي رسالة أرسلها طه حسين للشيخ مصطفى صبري سنة 1944م، أي بعد كتابه (في الشعر الجاهلي) وغيره بفترة، ولطه حسين مواقف أخرى لا يتسع المقام للتفصيل بذكرها، أسهب في تفصيل ذلك في مواضع مختلفة الدكتور محمد عمارة، وهو ما يعني أننا علينا ألا نستسلم لما يذكره الكتّاب بلا وثائق، أو حقائق، وبخاصة فيما يتعلق بالمسار الفكري لباحث أو مفكر.
____________________________________
* من علماء الأزهر
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
