عبير الفقيه تكتب: تعرف ايه عن المناخ يا سيسي؟

استحضر ذهني، وأنا أكتشف خبر مشاركة عبدالفتاح السّيسي في قمة المناخ سهير البابلي في “مدرسة المشاغبين”وهي تسأل سعيد صالح ” تعرف إيه عن المنطق يا مرسي؟”

عبير الفقيه*

   لا أعرف لماذا استحضر ذهني، وأنا أكتشف بالصّدفة خبر مشاركة عبدالفتاح السّيسي في قمة المناخ بباريس التي تحضرها 150 دولة،  لقطة سهير البابلي في مسرحية “مدرسة المشاغبين” وهي تسأل سعيد صالح ” تعرف إيه عن المنطق يا مرسي؟” فيجيبها بعد حيرة ومحاولات الاستنجاد بصديقه ” أعرف إنه شيء كويّس”. ووجدت لسان حالي يخاطبه : ” تعرف إيه عن المناخ يا سيسي؟ حتّى تشارك في القمّة بنفسك” بدت لي علاقة مرسي الزّناتي بالمنطق كعلاقة عبدالفتاح السّيسي بالمناخ، هي انه “لا علاقة”.
   المعلوم انّ هذا النوع من الاحداث واللّقاءات العالميّة على قدر عالٍ من التنظيم يصل حدّ المبالغة أحيانا في استحضار لرؤساء الدّول و شخصيّات سياسية كبرى لإلقاء كلمات رنّانة والتعبير عن انشغالهم  بالأخطار والتّحوّلات البيئيّة التي هي في النّهاية نتاج مصادقاتهم على قرارات اقتصاديّة بالأساس، تجلب الغنيمة لخزائن بلدانهم و لكنّها تضرّ جدّا بالأرض وسكّانها بشكل واضح. و ما مشاركة الولايات المتحدة والصين و البرازيل و محافظتهم على المراكز الأولى في قائمة أكثر الدّول تلويثا، قمّة تلو الأخرى، إلا مثالا على هذا التّضارب.
   عبدالفتاح السّيسي، أحد هؤلاء الرؤساء المشاركين،  وكان من الممكن ان يمرّ الأمر كأي زيارة من الزيارات التي أجراها سابقا شرعنةَ للّقب الذي تحصّل عليه غصْبا، لكن هذا الموضوع بالذّات لا يقنع، لأنّه لا يوحي باكتساب أدنى وعي بيئي، (مع العلم ان شكليّات القمّة لا تفرض حضور الرؤساء) و لا دولته عُرفت باهتمام بهذا الموضوع نفسه أو تقدّمت خطوة في تحسين أدائها بشأنه، رغم انّها تُصنّف من أوائل البلدان المتضرّرة من أخطار التلوّث، فالقاهرة تعتبر ثالث اكثر مدينة ملوّثة في العالم بعد “نيو مكسيكو” بالمكسيك ثمّ “بيجين” في الصّين.
 لا أظنّ عبدالفتاح السّيسي يهتمّ بمواضيع كالبيئة او حقوق الإنسان، إلا إذا حوّلها الى موضوع استرزاق ووسيلة لجلب الإعانات،  فشخصيّته و حضوره في كل الأحداث الرّسمية داخل مصر أو خارجها التي شارك فيها بالكلمة لم تكن في صالحه، اذ أنّه كلّما تقلّد المصدح (الميكروفون) أخلّ بالقاعدة حتى لو كان محتوى خطابه منظوما مسبقا. ولا أظنّ قمّة المناخ ستكشف لنا شخصا تمكّن من أبجديّات الثقافة البيئية أو على الأقلّ في ما يخصّ أزمات بلده في أرقامٍ، حتّى يُدلي بدلوه مع الضيوف، اللّهم إلا إذا اكتفى بـ ” المناخ شيء كويّس” على وزن ” المنطق شيء كويّس”  .
    لا أدري هل يتحدّث السّيسي عن تلوّث مياه النّيل و الـ (15 ) مليون مصاب مصري بالفيروس سي، أم ان اللّواء عبد العاطي أراح مرضى مصر من المعاناة بفضل جهاز الكفتة العجيب. أم يتحدث عن التلوّث الهوائي و المائي المتزايد خصوصا بعد تسرّب نسبة الفوسفات في مياه النيل على إثر حادث مركب لنقل المواد الكيميائية  وعدم القدرة على علاج تلك الكارثة البيئية إضافة الى الحالة السّيئة التي كانت عليها باعتبار النيل ملجأ المصانع للتخلّص من فضلاتها من المعادن الثقيلة والنفايات الصناعيّة. ناهيك عن الصّرف الصحّي الصّادر عن الفنادق العائمة (300 فندق تقريبا). الأمر الذي يضاعف نسب تسمّم الثّروة السّمكيّة وبالتالي اعتبارها مادّة غذائية مسرطنة في حال استهلاكها. امّا عن أحواض تربية الأسماك فالأمر أخطر بكثير، فوفقا لآخر الاحصائيات، تستخدم حوالي 95./. من المزارع السّمكية مياه الصّرف الصحّي من المدن والأحياء القريبة من المناطق الفلاحيّة و مياه الصّرف الزراعي المحمّلة ببقايا المبيدات الكيميائية المسرطنة لامحالة. الأمر الذي يرجّح صحّة أرقام معهد الأورام التي تشير الى إصابة 100 الف مصري بالسرطان سنويّا. و لا أعتقده  مُلمّا بخطر اعتماد البذور المُعدّلة وراثيّا، ولا المبيدات الزراعية الفاسدة و المسرطنة. ولا يثير قلقه أن تعتبر منظّمة الصّحة العالمية ان نسبة التلوّث في مصر تزيد عن ثلاثة أمثال المعدّلات العالميّة.
     ولكن مهما بلغ عدم إلمام السّيسي بهذه المعطيات، فلا أظنّه غافلا عن الخطر القادم لامحالة بشأن أزمة المياه و الكهرباء والخطر البيئي الذي   يقودنا اليه إغراق الأنفاق التي تربط رفح بغزّة مؤخّرا بمياه البحر.
 يذهب السّيسي الى قمّة المناخ محمّلا بأرقام و مؤشّرات سلبيّة للغاية تفتح له أبواب تمثيل بلدٍ يتصدّر قائمة البلدان الأكثر تلوّثا، وقارّة لاتضع موضوع المناخ ضمن أولويّاتها أصلا.
معطيات تبدو سلبيّة و مثيرة للخجل لنا, و تبدو له موضوع استرزاق و سببا مقنعا للحصول على أكبر قدر من الإعانات بقواعد تنمية سياسات المحافظة على البيئة. أمّا إعلامه فيرى حضور رئيسه عن مصر وتمثيله لكل القارة الافريقية في هذه القمّة ليس إلا دليلا على “ثِقَل مصر”.
 عناوين متكرّرة تحتفي بأي ظهور لمصر والسّيسي حتى لو كان الوزن الثقيل جاء  من تصدّره لقائمات البلدان الأكثر تلوّثا.  

___________________________

*كاتبة تونسية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان