صلاح سليمان يكتب: المطارات والإرهاب

![]() |
صلاح سليمان*
في مطار “هيثرو” وقفت حائراً بعد إصرار موظفة الأمن البريطانية على عدم السماح باصطحاب حقيبتي “الهاند باج” معي علي الطائرة، بحجة أنها أكبرمن الحجم المطلوب، ودخلنا معاً في جدل ونقاش أصرت فيه علي الاحتكام إلى النموذج المعدني الذي يحدد حجم الحقائب المسموح بها داخل الطائرة ، ظهرت المشكلة في بضعة سنتيمترات زيادة في حجم الحقيبة عن الحجم المقرر، قالت ولا سنتيمتر واحد زيادة! ، ولم تفلح المناقشات مع العجوز الانجليزية التي تشبه الساحرات في قصص الأطفال في تغيير رأيها على الإطلاق، وحتى عندما رفعنا الأمر إلى رئيسها في العمل، زاد إصرارها، وفشلت المحاولة، وكان لابد من الرحيل دون حقيبتي التي رافقتني في السفر عبر أغلب المطارات الأوروبية في السنوات القليلة الماضية دون أن يحتج عليها موظف واحد .
بما أن الإرهاب والهاجس الأمني هو الطابع الغالب في كل مطارات العالم في الوقت الحالي، خاصة بعد سلسلة الأعمال الإرهابية الأخيرة ، فقد كان التوتر يبدو على موظفة الأمن العجوز بشكل مبالغ فيه مما أدى إلى توتري أنا الآخر. كانت حادة عصبية المزاج مما جعلني أستسلم لطلبها اختصارا للوقت واللحاق بالطائرة، وعلي الفور اشتريت حقيبة جديدة من المطار وفق المقاسات المسموح بها تؤدي الغرض المطلوب رغم عدم الرضي لا عن معاملة الموظفة المتشددة، ولا عن شكل الحقيبة الجديدة، ولا حتي عن سعرها المرتفع. المهم انتهت الأزمة بصعودى علي الطائرة مع إحساس بالحزن والألم على فقدان حقيبة رافقتني في رحلاتي الأخيرة.
السفر عبر المطارات لم يعد ممتعا ، فالهاجس الأمني، والمغالاة في الخوف، والفحص والتفتيش، أصبحت كلها مجتمعة من الأمور المزعجة للمسافرين في المطارات، يضاف إليها ضباط الجوازات “بتكشيرتهم” المميزة، والوجوم الذي يطغى على ملامحهم، مما يجعلك تشعر بعدم الارتياح وأنت واقف أمامهم ، ويأتي بعد ذلك موظفو الدائرة الجمركية وتشككهم فيما تحمل من ممنوعات أو أشياء غير مسموح بدخولها البلاد قد تنتهي بفتح الحقائب والعبث بمحتوياتها .
ذات مرة في مطار القاهرة بعد الهبوط اكتشفت أن حقيبتي تخلفت في مطار روما، وبعد تحرير محضر في شركة الطيران الإيطالية، اتصلوا بي بعد مرور 3 أسأبيع و قبل سفر العودة بيومين، فاستلمتها في المطار وعدت بها كما أتيت دون تعويض أو كلمة اعتذار واحدة من الشركة الإيطالية.
في مطار أثينا اخبرني مكتب شركة اللوفتهانزا الألمانية أن الطيارين في الشركة أضربوا عن العمل في صباح يوم سفر الرجوع وتوقفت الرحلات ، والبديل الوحيد المتاح هو السفر صباحا علي شركة الخطوط اليونانية.. ومن الساعة الرابعة من بعد الظهر إلى صباح اليوم التالي ميعاد السفرفي الثامنة صباحا ..قضيت الليلة متسكعا في المطار، أما الأسوأ فكان في مطار القاهرة قبل عدة سنوات عندما أفلست شركة خطوط طيران الشارتر “الايرولويد” وتركوا المسافرين وأنا واحد منهم مشردين في المطار، ليبحث كل واحد بنفسه عن طريقة عودته.
السفر بالقطار في أوروبا أفضل بكثيرفي المسافات القصيرة، فليس هناك خوف من المسافرين، ولا من الحقائب، ولا أهمية لوزنها وشكلها وحجمها، و”الد ويتشه بان” أو هيئة السكك الحديدة الألمانية توفر خدمات جيدة للمسافرين علاوة علي أناقة القطارات وسرعتها ودقة مواعيدها .
قبل سنوات وقعت حادثة لي في القطار المتجه إلى النمسا، فأثناء الانتظار في محطة فرعية لوصول القطار شغلتني سيدة عجوز بمساعدتها في الهبوط من القطار وفي الثانية الأخيرة قبل إغلاق الباب قفزت داخل القطار بالحقيبة الكبيرة، ناسيا حقيبة اليد الصغيرة الأهم علي الرصيف وبها كل المتعلقات الشخصية من الكاميرا إلى حافظة النقود وتذكرة القطار.. وقبل أن اجلس في مقعدي تنبهت إلى فقدان الحقيبة، وعلي الفور بحثت عن كمساري القطار وطلبت المساعدة وأنا في حالة من الهلع والخوف على ضياع متعلقاتي، اتصل المحصل بالمحطة وأعطاهم مواصفات الحقيبة ورقم الرصيف، وبعد 10 دقائق عاد واخبرني بالعثور عليها، ثم رتب لي كيفية الرجوع في رحلة القطار العائد إلى ميونيخ من اجل استلام الحقيبة والعودة للسفر من جديد .
السفر الكثير لا يخلو من ذكريات طيبة وأخرى مريرة، ورغم معاملة سيدة المطار العجوز في مطار هيثرو، فإن ذلك لم يبدد فكرتي الطيبة عن حسن المعاملة في لندن، فالناس لطفاء ومؤدبون و الرحلة في الأساس كانت للتعرف علي الجديد في عالم الفندقة في لندن والاهتمام بإسكان السائح بأقل التكاليف وافضل الخدمات.. ثم زيارة أول فندق علي غرار فنادق الكبسولة اليابانية ذات الحجرة المضغوطة التي لا تسمح إلا بسرير واحد بالكاد، وهو يعتبر أول فنادق الديجتال في أوروبا ويأخذ اسم “هاب” وتشرف عليه مجموعة “بيرميرا ان” التي تمتلك في لندن وحدها 61 فندقا ولها أيضا فنادق في كل دول العالم .
الفندق مثير للغاية ليس فيه سوى السرير، ودورة المياه، شاشة التليفزيون الذكي معلقة علي جدار السرير وليس هناك لا دولاب ولا مكتب.. والكرسي الوحيد صغيرللغاية. الفكرة في أساسها كما يقول مدير الفندق مخصصة للناس ورجال الأعمال الذين يقضون يومهم بالخارج ولا يبحثون إلا عن المبيت في سرير مريح، وكما يقول إن هذا يصلح فقط في المدن الكبري التي يزورها رجال أعمال هم في حاجه فقط إلى سرير للنوم وشاشة تليفزيون وانترنت فائق السرعة ..
علي فكرة حجرة الفندق المضغوطة هذه لاتصلح لأصحاب الأجسام الممتلئة ولا أصحاب القامات الطويلة ولا حتى للذين معهم حقائب ضخمة.
______________________________
*كاتب صحفي مصري مقيم في ميونيخ
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
