حنان علي تكتب: عام السرطان

أي مرض أنت ومن أعطاك كل هذه السلطات لكي تقتحم حياة الناس بمنتهي الوقاحة وتنغص عليهم حياتهم؟ ولماذا لا ترحم من تصيبهم؟ ولماذا تنهش فريستك بكل هذا الجبروت؟

حنان علي*

أيام قليلة ونودع عام 2015 غير مأسوف عليه.. عام ملئ بالحزن، مليء بخيبة الأمل، مليء بالإخفاقات، نودعه وقد ترك في ذاكرتنا ذكريات مؤلمة، خذلنا بها في كثير من الأحداث التي مررنا به علي كافة الأصعدة سياسية واجتماعية وصحية ونفسية بعد  إصابة عدد من الأشخاص المقربين منا بمرض اللوكيميا “السرطان”..
 كرهتك أيها العام الحزين بعد أن خيبت  أملي فيك وكل ظنوني، فكم تمنيت أن تأتي لنا بكل ما يشرح صدورنا من أحداث سعيدة إلا انك خلفت لنا العديد من الأحداث المؤسفة والمحزنة، ولم تأت لنا بأي شيء جديد ولا أي تغيير.. كم كرهتك وأدعو الله عز وجل أن يخلصنا منك و يأتي العام الجديد ببشرة خير تكون لنا عوضا عما خلفته لنا من آلام عديدة أهلكتنا وأثقلت كاهلنا ولم نعد نريد تكرارها.
لم أكن أتخيل أن يختتم هذا العام الكئيب بكل ذكرياته المؤسفة علي؛ بإصابة أخي بالمرض اللعين الذي كلما سمعنا عن إصابة أحد به وجلت قلوبنا من الخوف، وأصابنا الهلع من هول ما نسمع عنه وعما يسببه من ألم. وكيف يفتك بجسد من يصاب به دون رحمة؟.
واعترف ان ما كنت أشعر به من حزن حين أسمع عن إصابة أي شخص بهذا المرض، اختلف تماما وكليا حين علمت نبأ إصابة أخي به ، حيث نزل الخبر علينا كالصاعقة التي هزت الأسرة وشلت حركتها وجعلتها ترتجف خوفا مما هو آت.  ولم يكن الخبر بالهين علي أسرتنا الصغيرة بل علي محيط العائلة ككل، تلك العائلة التي اتحد عليها العام الحزين والسرطان معا، ووقع اثنان من أبنائها فريسة له.
و رغم كل ما كنت أعانيه من ألم وحزن علي من أسمع بإصابتهم به إلا إنني حين وجدته قريبا منا شعرت بان الدنيا قد ارتدت الثوب الأسود ولم يعد بها بارقة أمل واحده إلا في الله رب العالمين الذي يستطيع  أن يمن عليه بالشفاء.
هذا المرض اللعين يأتي فجأة ودون مقدمات. فأخي لم يشك قبل اكتشافه من أي عارض وحين ذهب للطبيب كان لكي يصرف له فاتح شهية يستطيع به أن يأكل لأنه يشعر بأنه يفقد الرغبة في تناول الطعام وبالتالي بدأ في فقدان الوزن لدرجة لاحظناها جميعا بل نحن من نصحناه بالذهاب إلي الطبيب.. الذي فاجأنا بالكارثة الكبرى بأنه يوجد ورم في الطحال ضاغط علي المعدة وهو المسبب لفقدان القدرة علي تناول الطعام وشعوره بفقدان الرغبة فيه.
ودخل شقيقي العمليات لنكتشف أن الحكاية لم تعد مجرد طحال فالمرض صال وجال  داخل جسده لينهش في أجزائه  بلا رحمه ولا هوادة.. انتهت به إلي أن يرقد في غرفة الرعاية ينتظر معجزة من عند الله.
 أي مرض أنت ومن أعطاك كل هذه السلطات لكي تقتحم حياة الناس بمنتهي الوقاحة وتنغص عليهم حياتهم؟ من أعطاك الفرصة لتجعل عائلة بأكملها تعيش في كل هذا الحزن  لوجودك غير المرغوب فيه حين تسكن جسد أحد أبنائها؟.. ولماذا لا ترحم من تصيبهم ؟ ولماذا تقوم بنهش فريستك بكل هذا الجبروت دون أن تجد من يستطيع التصدي لأسلحتك الفتاكة و يوقفك عند حدك؟!
لم يكن أخي أول أو أخر من أصيب أو سيصاب بهذا المرض اللعين، فهناك أكثر من مائتي ألف مصري مصاب به أغلبهم ينتظر الوفاة.  ويزداد عدد المصابين به بشكل متواصل نتيجة لما تركه لنا عصر الفساد الذي عاشت فيه مصر علي مدى ثلاثين عاما. لم يترك المخلوع  مصر  محملة بالديون وتدني كافة مناحي الحياة، بل وصل الحال إلي الإهمال الصحي وتأمرت حكوماته علي الشعب في تلك الفترة أدخلت خلالها  مواد مسرطنة – مبيدات وبذور-  نهشت أجساد أبناء الوطن بلا رحمة كبارا وصغارا ووضعتنا في صدارة الدول التي تنتشر بها تلك الأمراض الخبيثة، ولا زلنا نعاني من عصور الفساد.
 وأصبحنا نسمع عن عدد المصابين بهذه الأمراض وكأننا نسمع عن المصابين بمرض الأنفلونزا مثلا من كثرة عددهم!! . وأصبح يذكر اسمه  بشكل عادي وبمنتهي البساطة  وكأنهم يذكرون شخصا مريضا بنزلة برد دون الاستعاذة بالله مثلما كان بالماضي.. رغم إننا منذ زمن ليس بالبعيد كنا نخشى ذكر اسم هذا المرض صراحة وكنا نكتفي بكلمة ” والعياذ بالله او اللهم احفظنا أو المرض اللعين أو الخبيث”.
بوست
الموت باللوكيميا أو الموت مقتولا.. اختلاف في الطريقة لكن النتيجة واحدة.. حكومات تقتل مواطنيها

______________________________

*كاتبة وصحفية مصرية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان