الذات الاعلامية والنظام والأمة

والسؤال الذى يفرض نفسه هل التماهى الاعلامى مع موقف السلطات فيما يخص السياسة الخارجية هو نوع من الوطنية المفرطة وعمق فى التوحد والقوه ؟

محمد منير* 

عندما وصف التلفزيون المغربى ما حدث فى مصر بأنه انقلاب عسكرى سادت حالة من الانفعال الهستيرى بين وسائل الاعلام المصرية ، وبدأت ملامح حرب اعلامية مع المغرب مثلما حدثت مع دول أخرى حول نفس القضية .
وبصرف النظر عن الجانب السياسى فى الموضوع إلا أن ما يشغلنى هو طبيعة الدور الاعلامى ، فهل الاعلام هو بوق دعاية للنظم الحاكمة وانعكاس لسياستها ، اما أنه انعكاس لتباين الأراء الشعبية حول الأداء الرسمى ، ام انه محض فكر وانعكاس لأفكار القائمين عليه بإعتبارهم مفكرين ومثقفين .
عندما بدأت علاقتى بمجتمع الصحافة  كان من حظى السعيد انى عاصرت بعض القامات العالية فى المهنة وأدركت منهم أن الصحافة هى ضمير الأمة وانعكاس لحالها ووجدانها ، ولكن الواقع منذ اللحظة الاولى لم يخل من مشاهد وملابسات وحقائق تؤكد العلاقة المتداخلة بين مهنة الصحافة وتوجه الدولة ، وتدريجياً تعمق الأمر حتى أن التعارض بين توجه الصحفى وتوجه الدولة أصبح جريمة تؤدى الى السجن أحياناً وخاصة فيما يخص السياسة الخارجية  !! فإذا ساندت الدولة أى من الاٌقطار ، أصبحت الكتابة النقدية لهذا القطر من المحظورات التى تتعرض حياة من يتجاوزها للمخاطر والتهديد، والعكس صحيح إذا ما اختلفت الدولة الرسمية مع دولة ما، تحول الاعلام الى النقد اللاذع لهذه الدولة والذى ربما يصل الى حد السب واللعن .
ولكن الملاحظة الجديرة بالذكر أن الاعلام داخل بلده يتمتع بمساحة أكثر من الحرية فى التناول النقدى للشأن الداخلي على العكس تماما فيما يخص السياسة الخارجية، والتى يتعرض المختلف معها الى اتهامات تصل للخيانة العظمى ، وسادت بين الشعب ثقافة تضخم الذات الوطنية والتى تعتبر أن أى مدح لدولة يختلف معها النظام الحاكم أو أى انتقاد لأداء الحكومات تجاه الدول الأخرى هو عار وربما خيانة .
وتحضرنى حادثة صحفية عندما حدث اضطراب فى إحدى الدول المجاورة وشهدت هذه الدولة ازدواجية فى السلطة بين شخصين أيدت الدولة احدهما، وقام صحفى بنشر موضوع يؤيد فيه الشخص الآخر ، وبعد أيام من النشر اختفى الصحفى وعلمنا انه رهن التحقيق وانه تمت مواجهته بقيامه بإتصالات خارجية بالطرف الذى لاتؤيده الدولة واعتبرته جهة التحقيق تخابر !! مع أن الرجل لم يكن قد تعرض لأمر يخص وطنه وانما كان محض رأى وانحياز لطرف ضد طرف آخر فى صراع داخل دولة مجاورة، فهل الاختلاف مع توجهات الدولة واراءها فيما يخص أى دولة أخرى يعتبر خيانة ؟ .. ربما هو ذلك من وجهة نظر البعض .
والسؤال الذى يفرض نفسه هل التماهى الاعلامى مع موقف السلطات فيما يخص السياسة الخارجية هو نوع من الوطنية المفرطة وعمق فى التوحد والقوه ، اما هو تعبير عن حالة ضعف وانهيار فى شخصية وذاتية الأمة التى يمثل الاعلام ضميرها … سؤال يحتاج لإجابة

_______________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان