ماتت كرامة … على بلاط صاحبة الجلالة

آية علاء*

بالقطع لا يعلم نقيب الصحفيين المصريين، ولا أعضاء مجلس نقابته معنى أن تخلع عنهم ملابسهم في برد الشتاء كيوم ولدتهم أمهاتهم، و يتلذذ ضابط أمن سادي معوج النشأة بتمرير جهاز الصعق الكهربائي على كافة أنحاء  أجسادهم .

و لا يعلم النقيب معنى أن يتم اختطافه من أمام طفلتيه الصغيرتين ، اللتين لم يريا الظلام و السواد في أحلك كوابيسهما كما رأوه على وجوه متوشحة بالسواد القاتم مقتحمة عالمهما الآمن  ، لتختطف الأب الذى كانتا تستعدان باللعب معه.

و لم يجرب النقيب ضياء رشوان ذلك الشعور القاتل بالعجز و أنت تكذب على طفلة أن أباها عائد عما قريب في حين أنها تدرك في سويداء قلبها أننا نكذب عليها كذب السيسي عندما وعد بعهد من الحريات افتتحه بقطع البث عن كل القنوات التي لا تسبح بحمده أو تأتمر بأمره.


كما أن رشوان لا يشعر بغضاضة أو تأنيب ضمير أو خزي من أي نوع و هو يخبرني أن زوجي الصحفي حسن
القباني عضو نقابته المشهود له بعمله الصحفي المهني المتميز و نشاطه النقابي المعروف، مختطف في أقبية الظلام بمقر أمن الدولة بالشيخ زايد.


هو لا يشعر بالأساس بالمسؤولية المهنية تجاه زوجي، بل تجاه 105 صحفي غيبتهم سجون السيسي بعضهم محبوس منذ أكثر من عام و نصف، و جل ما تفضل به علينا مشكورا، التدخل لإخراج أخي الذى اعتقل زورا و عدوانا من منزلي حيث كان في زيارتي أثناء اعتقال زوجي، ثم التدخل لإخراجي بعد أن احتجزني رئيس الحرس في نيابة أمن الدولة العليا يوم عرض زوجي على النيابة بعد اختفائه بثلاثة أيام .. و لم يقدم شيئا لعضو نقابته من حقوقه البديهية حتى اللحظة و أبسطها الإصرار على إثبات حضور عضو مجلس النقابة في تحقيقات النيابة !!


تلك النقابة التي كسر قلمها الحرّ عصا العسكر الغليظة، فأصبحت لا تستحى و هى تقف مكتوفة الأيدي و
الكلمات، تمصمص شفاهها و تستجدى عفوا رئاسيا خجولا لفرسانها بعد أحكام باطلة من سلطة سياسية تغولت على صلاحيات السلطة الرابعة و أراقت ماء وجهها و سلبتها غايتها الوحيدة في الوجود … حرية الصحافة و حرية التعبير.


و لعل من المبكيات المضحكات في آن واحد .. في زمن العجائب الذى نحياه .. أن يدخل زوجي عضوا في نقابة الصحفيين التي طالما عمل جاهدا من أجل الالتحاق بها، يدخل من جريدة ناصرية موالية للنظام تسمى “الكرامة” للمفارقة.


و أتساءل .. أي كرامة تلك .. بل أين كانت عندما كان حسن يعذب على مدار 3 أيام في مقر أمن الدولة .. دون أن يعرف النقيب بالأصل – رغم كل ما نشر عن الاعتقال – أن صحفيا عضوا في نقابته اختطف من منزله و اختفى !

بل أي كرامة تلك التي يتمتع بها الصحفي المصري الذى يزداد نصيبه في سنوات الاعتقال 3 سنوات زورا .. زيادة عن زميليه فى نفس القضية فقط لأن حظه العاثر جعله مصري الجنسية.!

بل و يخلى سبيل زميليه المحظوظين بجنسية أجنبية بعد أن يتنازل مزدوج الجنسية فيهما عن جنسيته المصرية
في سبيل حريته، و بالطبع، يظل الصحفي المصري أسيرا مكبلا بالأغلال مكسور القلم مكتوم الكلمة بتهمة واحدة، كونه صحفي مصري لا بواكي له .. بالإضافة بالطبع الى تهمة انتمائه لمؤسسة صحفية مهنية ليس بها “واد” أو “بت” يتلقيان التعليمات من عباس كامل بمكتب السيسي.


تعج صفحات الشبكة العنكبوتية بأرقام و توثيقات للانتهاكات بحق الصحافة و الصحفيين في مصر بعد الانقلاب العسكري، و لعمرى إنه ليبعث على الخجل في خزي و عار قراءة ترتيب مصر في مؤشر حرية الصحافة لعام 2014، فرقم 159 المكون من ثلاثة أرقام يتحدث عن نفسه في ذيل القائمة المكونة من 180 دولة بفارق 21 دولة عن أريتريا صاحبة المركز الأخير.


و تتقافز الأرقام في صراخ يفرض نفسه على المحاولات الحثيثة لتكميم الأفواه وإحباط و إظهار حجم المجزرة التي ترتكب في بلاط جلالتها، و لكن يظل ما تعجز الأرقام ببرودتها و واقعيتها القاسية عن التعبير عنه هو الأهم في مشوار حياة صحفي إنسان حرم حقوقه مرات و مرات، فتارة بحبس جسده و تعذيبه، و تارة بسجن قلمه و تكميمه، و ثالثة بظروف اعتقال غير آدمية تنتهك كل حقوق الإنسان البديهية و تحول دونه و دون من كان يعيش بهم و معهم يعرفونه كبشر يحب و يضحك، يتسامر و يغضب، يأنس بأنامل صغاره تطوق عنقه عند عودته ليلا فى قيد محكم محبب للنفس.


يلقى هموم اليوم الصحفي المثقل بالأخبار على أعتاب زوجته أو أمه و يطرح عن كاهله جمود الحروف و الكلمات المنمقة في صنوف الفن الخبري.


لم يعرف أحد عن انتهاك قلب إنسان ينبض بالحياة، بل انتهاك قلوب ذويه واستنزاف مشاعرهم في رحلات مكوكية بين أقسام الشرطة و مقرات الاحتجاز راجيين خبرا عنه يطمانهم، و هو رب الأخبار و مالك ناصيتها.


و تظل آلام الزوجات و الأمهات الساهرات على تحضير زيارة أزواجهن الصحفيين مجهولة للعالم، و تبقى وقفاتهم في طابور الزيارة تحت الشمس بالساعات وتعرضهم لتفتيش أشبه بالتحرش و بقاء زيارتها مرهونة بمزاج الضابط لهذا اليوم، يظل كل هذا و ما كان و ما سيكون بعيدا عن عدسات المصورين و أقلام الصحفيين، برغم أنها للمفارقة زيارة صحفي أسير.

و يكمل العالم مؤتمراته و مناشداته و تقاريره عن حرية الصحافة و حرية التعبير، و لكن تبقى حقيقة واحدة 
أن بلاط صاحبة الجلالة ملوث بدماء ضحايا مذبحة الصحافة لهذا القرن، و أن جلالتها ترى و تسمع و لكن لا تتكلم، و أن حاجبها وحراسها أعضاء جمعيتها العمومية يغضون الطرف عن صرخات المظلومين و حقوق العائلة الصحفية، بينما حاجبها ناسيا أو متناسيا سيخسر مئات الأصوات سواء للصحفيين المعتقلين الذين بلغ عددهم 105 صحفي أو أصدقائهم في انتخاباته التى يتزين لها صرح جلالتها على أشلاء و دماء كرامة الأسرة الصحفية جمعاء

________________

*كاتبة و ناشطة حقوقية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان