باقتصاد السعادة تحل مشاكل مصر

د. أسامة الكرم*
![]() |
لن يحل الفكر الاقتصادي التقليدي مشاكل مصر .. فلا حل سوى بواسطة اقتصاد السعادة الذى اسسه العالم الاقتصادي “آلان كروجر” الحاصل على نوبل في الاقتصاد .
اقتصاد السعادة يستند على اساسيات علمية تخلط بين علم النفس والاقتصاد والاجتماع .. بحيث يحصل الانسان على دخله وهو سعيد وينفقه ايضا وهو سعيد، ويشارك كل الناس السعادة سواء عند اكتساب المال او عند انفاقه .. فهناك انفاق يجلب الأذى مثل تناول الاطعمة السريعة التي تؤدى لإدمانها الى زيادة الوزن، وبالتالي عدم الرضا عن الذات .. وكذلك الانفاق على التدخين والمخدرات. فهذا انفاق يجلب في التعاسة في النهاية .
وعلى العكس لو تم فرض ضريبة على ارباح بيع الأراضي بالمدن الجديدة ..ويخصص ايرادها لدعم بناء شقق للشباب في نفس المدن ..ففي نفس اللحظة التي يكسب فيها البائع أي يحقق فرحة المكسب سينفق على الضريبة وهى بدورها ستسهم أيضاً في اسعاد الشباب وذويهم ، أي أن الانفاق هنا ينتج سعادة للغير وفى نفس توقيت سعادته هو أي السعادة للكل .. الهدف في علم اقتصاد السعادة هو الانسان السعيد وليس زيادة الدخل .. فقد كشفت دراسات اقتصاد السعادة ان هناك دولا دخل الفرد فيها مرتفع جدا مثل امريكا أو السويد ولكن معدلات الانتحار بها أعلى من دول افقر منها بكثير .. بل ان هذه الدول زاد الدخل بها عشرات المرات خلال العقود الماضية لكن الانسان بها اتعس ممن عاش في الماضي !!
ولذلك بدأ التفكير في اسعاد الانسان وليس على زيادة دخله فقط ..وطبعا هذا العلم حديث ارسى مبادئه “آلان كروجر ” منذ 10أعوام فقط .. والحقيقة ان مصر مؤهلة للانطلاق بقوة لم تم الاعتماد على هذا العلم .. ولكن ذلك لن يتحقق الا بمناخ سياسي واجتماعي يسمح بنشر فكر اقتصاد السعادة ..فمصر ليست بها ازمة اقتصادية ..نعم لا توجد ازمة اقتصادية بمصر لماذا ؟
لأن كل عناصر الانتاج متاحة بها.. فلدينا أيدى عاملة لكنها عاطلة .. ولدينا ودائع بالبنوك تزيد عن تريليون و300مليار جنية.. نصفها غير موظف أي انها اموال ايضا عاطلة بلا وظيفة.. ولدينا ارض متسعة فنحن نعيش على اقل من 6% من مساحة مصر .. فلماذا لا نضاعف المساحة وهذا لن يتحقق الا بخطة قومية للبناء والاستصلاح والاستثمار .. ولدينا شباب قادر على بناء الوطن يحتاج فقط للفرصة .
كل هذا يدعونا الى التفاؤل فمقومات التقدم لدينا ولا ينقصنا الا التخطيط الجيد .. الفرق بين مدن عابسة مثل مدينة “السلام” الفقيرة، ومدينة “الرحاب” الراقية، كان في التخطيط .. فلا بد من البدء فورا فى قطاع الاسكان .. لأنه يحرك السوق فى اكثر من 70 صناعة مغذية .
والسؤال المهم كيف نخلق قدرة شرائية على الشقق الجديدة ؟ وفى نفس الوقت نخلق فرص عمل بأجر متميز لكن بطرق غير تقليدية من خلال اقتصاد السعادة ؟ أي ان يتشارك الجميع السعادة ولا تحتكرها فئة او مجموعة .
هذا يمكن مثلا من خلال فتح باب العمل بربع الاجر مقابل شقق وفيلات وأراضي مستصلحة بباقي الاجر.. وسيتم تقسيم المدن او المجتمعات الجديدة الى مناطق .. كما سيسمح بالبيع نقدا لمن يريد او من خلال العمل مقابل فيلا أو ارض او شقة .. طبعا مناطق الفيلات ستباع بأسعار اعلى من الشقق الفاخرة والارخص ستكون شعبية ..وسيعمل بها من يشاء من الشباب ساعات محددة للحصول على وحدة سكنية ..مثلا المهندس يعمل عشرة آلاف ساعة للحصول على شقة .. او عشرين ألف ساعة للحصول على فيلا .. أو ثلاثين الف للحصول على 10 افدنة مستصلحة .. وهكذا السباك يعمل عدد ساعات مختلف عن المحاسب للحصول على الارض أو الوحدة.. وهذا يرجع الى اختلاف اجر المهندس عن العامل عن المحاسب. والجميع سيكون أجرهم أعلى من كل اسعار السوق حيث أن اجره سيشمل جزء من ربح البيع ..أي انه سيكون اجراً مضافا اليه ربح .. على ان تكون هذه الوحدات يتوسطها حدائق وحمامات سباحة ومسرح .. وأن يوجد بها كل الخدمات من مدارس و مستشفيات …..الخ ويتم اختيار المدن بشرط ان تكون قابلة للتوسع وايضا قادرة على استيعاب عمالة .. وذلك من خلال الاعتماد على خلق مناطق زراعية وصناعات غذائية بكل منطقة جديدة..
ولا ننسى جانب الترفيه للسكان .. فلا يجب ان تكون هذه المدن تكرار لخطأ مدن مثل اكتوبر والقاهرة الجديدة .. حيث يسكن بها اشخاص يعملون بالقاهرة ..فيجب ان يسكن بالمدينة من له عمل بها ..ويمكن لمسرح الدولة ان ينتقل الى هذه المدن لتقديم عروضه ..وخاصة مسرح الغد والطليعة والتجريبي .. حيث تقدم اعمالا لمفكرين كبار عالميين لكن لفنانين حديثي التخرج .. الفنان الحديث يمكن ان يسافر ليقدم نفسه ..وبالطبع سيكون حديث المدينة كلها لو اجاد .
اذا اردنا أن نتقدم فلابد من الاعتماد على النفس والعرق والكفاح وليس المنح والمساعدات.. فلا توجد دولة تقدمت بالمنح بل بالجهد والعمل .. ودراسات علم اقتصاد السعادة تشير الى انه لن يعمل بجد الا انسان له انتماء يشعر بالعزة والكرامة والانتماء. والانتماء هو السبب الرئيسي للتنمية ولن يتولد الا بالمشاركة في عائدات التنمية بعدالة. .فالشاب الذى يتخرج عاطلا لعدم وجود واسطة لن يكون عنده انتماء.. وابن الغارق في العبارة الذى ظل يصارع الحيتان فى مياه البحر ولم تنقذه بلاده لن يشعر بالانتماء ..وخاصة أن صاحب العبارة كان محصنا بالتعين في مجلس الشورى.. وتم تهريبه لينعم بالتعويضات من شركات التأمين دون ان تحاسبه الحكومة.. وكل من اصيب بالسرطان والفشل الكلوي بسبب المبيدات المسرطنة وعجز عن تكاليف العلاج .. كل هؤلاء منزوع عنهم وعن كل ابنائهم الانتماء .. وكل من رأى رجل اعمال يسلب ارضى وودائع البنوك سيكفر بالانتماء .
اذن بداية الانطلاق تبدا بالعدالة والمشاركة للكل والحفاظ على كرامة المصري في بلاده .. هذه هي منصة الانطلاق وبدونها لن نتقدم خطوة ولن تتزحزح المشاكل
______________________
*كاتب وخبير اقتصادي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
