فتنة النساء في أوروبا!

صلاح سليمان*

يعتقد البعض أن النساء في أوروبا هن الأجمل علي الإطلاق في العالم، كما يري فيه آخرون أن الشعر الأصفر والعيون الزرقاء تحملان سحرا أنثويا طاغيا لا يقاوم خاصة في وسط أوروبا وشمالها ، لكن الطبيعة الربانية ومناخ القارة العجوز البارد هما اللذان يتحكمان في إفراز عناصر الجمال الأوروبي المعروف بالطول الفارع، ونحافة الجسم، والقد الممشوق، وعدالة توزيع الدهون علي الجسم وعدم تركيزها في منطقة علي حساب أخرى، إضافة إلى الثقافة والتحضر التي هي في حد ذاتها جمال عقل يضاف إلى جمال الشكل.

في ألمانيا تشتهر النساء بالجمال والطول الفارع، لكن عاملاً مساعداً مهماً آخر للجمال تهتم به النساء وهو العناية الفائقة بالجسد والروح معاً، وكنت قد اكتشفت بالصدفة اهتمام النساء الألمانيات بإحداث ذلك التوازن بين جمال الجسد والروح أثناء إعداد تحقيق صحفي عن الطب البديل في ألمانيا، وحدثني وقتها الطبيب الهندي ” شيتي” الذي يعالج بالطب الهندي القديم في شرق ألمانيا : أن كثير من النساء تلجئن إلى الطب الهندي القديم” الأيورفيدا”لإحداث التوائم بين الجمال الخارجي في الجسد وجمال الروح الداخلي، وهو تحديدا ما تقوم عليه فلسفة الأيورفيدا التي تعتمد علي نظام التغذية السليم والهضم الجيد والإفراز الصحي، إضافة إلى نظام التمرينات واليوجا والتأمل والتدليك وكلاهما يحققان للجسم التوازن بين الجسد والعقل والروح مما يساعد في إبراز الجاذبية الطاغية.

لكن ما هو الجمال تحديداً؟ هل هو فقط  إعجاب بالشكل الخارجي للمرأة ؟  الحقيقة  أن بعض النساء الجميلات يتغير الحكم عليهن بعد أن ينطقن بعدة حروف وقد ينقلب الإعجاب إلي نفور قبل أن يستغرقن في الحديث ، والعكس بالعكس فقد تبدو أحيانا أخريات غير جميلات لكن بحديثهن وثقافتهن يستطعن الاستحواذ علي قلوب الرجال .

 الباحث النمساوي كارل جرامر قدم بحثا شيقا حدد فيه صفات ومعاير الجمال عند الإنسان، ووصفها بأنها نوعيين  من المعايير إحداهما موضوعية والأخري ذاتية ،لكن كلاهما معاً يتحكمان في المفهوم البشري في تحديد صفات الجمال أو القبح عند الإنسان، مثلا سنوات الشباب كما يري الباحث تلعب الدور الأكبر في تحديد صفات الجمال، فالشباب في حد ذاته هو جمال، وهي صفة مقبولة وباهرة في عيون الأخريين، يأتي بعدها الصحة العامة والجسد المعافي من الأمراض لأن ذلك ينعكس علي أجزاء الجسم المختلفة ، فيصبح الشعر براقا، والعينين لامعتين ويقظتين، والأسنان سليمة ومعافية ، والجلد ناعم وجذاب ، بل إن الصحة الجيدة تجعل رائحة الشخص نفسه مقبولة ومثيرة للآخرين وهو الأمر الذي يضفي جمالاً غير محسوس يكمل الجمال المحسوس وفق البحث.
 
عادة ما ينبهر الرجل الشرقي في الشارع الأوروبي بجمال النساء رغم أن الجمال قد تختلف معايره،  فهو مثلاً عند العرب ووفق أدبياتهم  يمكن حصره في الملامح الأصيلة للوجه التي يحددها الأنف الدقيق، والعيون الواسعة الكحيلة،  والعنق الصافي الطويل، والجسم الممتلئ مع الشعر الأسود الطويل، والبشرة البيضاء الصافية ،غير أن هناك من الشرقيين من هم مازالوا يعتقدون أن الأنثي ممتلئة الصدر والبطن والأرداف هي الجميلة، بل هي فعلا مازالت عند البعض  الصورة المثالية للمرأة الثرية ذات المكانة الاجتماعية العالية كما كان في العصور القديمة. لقد كانت كذلك  أيضا في زمن العصور الوسطي في أوروبا قبل أن يتغير الحال ويصبح الآن  كل كيلو جرام في الوزن زيادة عن مقياس الوزن المثالي هو إضافة لنقاط القبح علي حساب نقاط الجمال .
 
في مدينة ميونيخ زرت معرضاً أسمه ” الرسم والنساء” للتعرف علي تأثير جمال الأنثي علي فن الرسم والإبداع، و كان مخصصا لثلاثة من أشهر الفنانين الأوروبيين في القرن الماضي، الذين اشتهروا برسم تفاصيل جسد الأنثي وهم بابلو بيكاسو، وماكس بيكمان ،وويليم دي كوننج . وقد لاحظت أن جمال جسد المرأة وتفاصيله كان وحده  هو وراء شهرتهم ،ووراء الإلهام والإبداع في تفوقهم في عالم الرسم والنحت ..وإذا كان هؤلاء الرسامين قد اهتموا بتفاصيل كل الجسد فإن الرسام الهولندي الشهير  بيتر بول روبنز الذي رأيت أيضا لوحاته في هولندا  كان مهتما بتحديد جمال المرأة فقط في منطقة الساقين ومنطقة أعلي الزراعين والأكتاف .
 
قبل عدة سنوات كنت قد قرأت بحثا ألمانيا لعالم النفس “توماس جاكوبسون” من جامعة لايبتزج الألمانية عن كيفية إدراك العقل البشري جمال الخلقة ..جاء فيه أن الدماغ البشري لا يستغرق أكثر من جزء من الثانية في الحكم علي شخص ما  بأنه جميل من عدمه، ويعتقد الباحث الألماني أن الذكور يتمتعون بسرعة فائقة في الحكم علي صفات الجمال أكثر من النساء اللاتي يستغرقن وقتا أطول حتي يحددن جمال الشخص.. واكتشف كذلك أن أحد العوامل التي تلعب دورا في تحديد صفات جمال الذكور عند النساء هي ذقن الرجل إضافة إلى معالم الذكورة الواضحة التي يحددها هرمون التيستورون، أما النساء فقد وجد أن المرأة النحيفة ذات البشرة الناعمة والعيون الواسعة والصحة الجيدة ومعالم الأنوثة الظاهرة هي من أكثر الصفات التي تحدد جما ل المرأة.
 
من غير الإنصاف أن يتوقف الجمال علي الجنس الأوروبي وحده، فهناك عوامل أخرى إذا توافرت في شخص ما في أي مكان يمكن وصفه بالجميل وذلك وفق معاييرالباحث النمساوي كارل جرامر، فمثلاً طريقة السير علي الأرض ورشاقة الخطوات  يعتبر صاحبها جميلاً، أيضا الصوت هو الأخر يلعب دورا في تحديد صفات الجمال لدي الرجل والمرأة، فصوت المرأة الناعم يعكسه صوت الرجل العميق، والصوت من الأسباب التي تقرب الجنسين إلى بعضهما البعض .

ربما هناك كثيرون لا يؤمنون إيمانا قاطعا بحقائق العلماء المختصة بصفات الجمال، فهم يرون أن هذه حقائق عامة تختلف من شخص إلى آخر ،ومن مجتمع إلى مجتمع ،وقد يحكمها عوامل متوارثة مستمدة من البيئة ومن الثقافة التي ينتمي إليها الإنسان ، لكن في كل الأحوال هناك شئ مهم  وهو أن الجمال لا يدوم علي حال، لذلك يجب علي الإنسان أن يبحث عن الجمال الدائم في  العقل ،وحسن التربية، والأخلاق الحميدة، والعطف، والدين، وهي صفات جميلة لا تموت إلا بموت الإنسان

_________________

 * كاتب مصري مقيم في ألمانيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان