التدين المصري.. والتدين السوري

يختلف التدين المصري الرسمي والشعبي و” الفني” عن التدين السوري، فلم أرَ على التلفزيون السوري بشاشاته الثلاث عَلماً مشهوراً، أو شخصاً مغموراً، يذكر الصلاة أو الجنة أو التقوى قط.

أحمد عمر* 

يختلف التدين المصري الرسمي والشعبي و” الفني” عن التدين السوري، فلم أرَ على التلفزيون السوري بشاشاته الثلاث عَلماً مشهوراً، أو شخصاً مغموراً، يذكر الصلاة أو الجنة أو التقوى قط، سوى مرة واحدة ذكرَ فيها كاتب سيناريست أنّه يستيقظ كل صباح، ليرى لوحة أسماء الله الحسنى المعلقة في صدر غرفة نومه، وكان الكاتب محروماً من الخلف، كان حالة خاصة. أما شهر رمضان، فتتمنى المذيعة صياماً مقبولاً، وإفطاراً شهياً، وتبدأ بعدها المسلسلات المبهجة، وأطايب الطعام. أما الحج فلم تكن الفضائيات تنقله، كانت للفضائيات السورية عداوة مطلقة مع الحج، وكأنه رجس من عمل الشيطان، مع أنه حدث عالمي،! الحج كان قد تحول إلى قبر الرئيس في القرداحة. نعم ثمة حديث جمعة ديني، ينتدب له شيوخ مختارون بالملقط، لكن الدِين ،إعلاميا ، ممنوع والرزق على الله.
 يشاع عن التدين المصري أنّه تدين قشور، ومظاهر، وغير حقيقي، ويشاع أيضاً أنّ المصري متدين بطبعه، والطبع مقصود بحكم الفراعنة الديني الذين استعبدوا البشر، وجعلوا قبروهم معابد، ويشاع أيضاً أنّ التدين المصري فولكلور، وليس عقداً مع الله، ورثى مذيع مصري معروف صورة المصري المتدين الذي كان يشرب البيرا وزوجته إلى جانبه بثياب النوم في البلكونة، أيام زمان، كمتدين مصري مثالي.
 ويبدو أنّ التدين الرسمي والسوري يتقاربان هذه الأيام، بعد أن باتت الحرب مكشوفة، وأخرج النظامان أضغانهما، فقد حاربت مصر الرسمية مؤخراً عبارة” الصلاة على النبي” على المركبات والمحلات، والآيات القرآنية حفاظاً على “الوحدة الوطنية”، كما فعلت سوريا قبل سنوات، عندما استجابت لطلب “الأهالي”، لم نكن نعلم أنّ الأهالي عندها مصباح سحري تدعكه، فيستجاب لها، كانوا قد ذعروا من انتشار هذه العبارات على وسائل النقل، ويقابلها في مصر “المواطنون الشرفاء”. أما التفوق، فلا يزال لسوريا، فمصر تقفل الزوايا الصغيرة والجوامع، في حين أنّ سوريا النظام تدمرها. الدين للرئيس، والوطن للرئيس. الفرعون قال: أنا ربكم الأعلى و” ولا أريكم إلا ما أرى”.
أما  أمثلة التدين المصري، أو تدين أعلامه،  فكثيرة، ويومية، منها تدين  الداعية إلهام شاهين، التي قيل أنّها ستطلق فضائية إسلامية، وفاطمة ناعوت التي تعطف على الحيوانات من سكين الإسلام العنيف في عيد الأضحى، وتفرح بقتل المسلمين في الثورة، وقد طالبها السيسي، باعتبارها منوّرة ومجددة، بتصحيح صورة الإسلام ، وقد نرى فنانين يتباهون بصورهم في الحج  مثل أحمد حلمي ، وفنانين يبكون خشوعاً في محاضرة لعمرو خالد مثل محمد هنيدي، وفنانين مثل حسن يوسف، يمثلون أدوار الدعاة، لكنهم يقفون ضدهم في الحياة، فالطبع يغلب التطبع، سنرى فنانات محجبات كثيرات مثل سيهر البابلي وعفاف شعيب وصابرين، لكنهم كلهم على ما يظهر من محبي “الإسلام الجميل”.
وسنرى أنّهم متدينون يحاربون الدين، ويتباهون بالتدين، لكنْ في سورية الفنانون جميعاً علمانيون، وإن كان فيهم مؤمنون فهم يخفون دينهم.
 قرأت قبل أيام مذكرة لمصري شاب اعتقل إحدى عشرة سنة، ثم قابل معتقلين ثورة مصر، فتذاكروا في أنواع التعذيب، فذكر المصري المعتقل منذ إحدى عشرة سنة، أنّه اعتقل لأنّ أبيه التحق بأفغانستان، وعدد أنواعاً من التعذيب لم تُر في محاكم التفتيش، والغريب أنّ الضابط الذي كان يعذبه، كان يقطع التعذيب، ليصلي هو ورجال الأمن، جماعة في السجن! طبعاً مستحيل أنّ يصلي السجين السوري السياسي.  فالماء لا يتوفر للشرب، فكيف يجرؤ على الوضوء، فالاتصال بالله يخيف السجان، وإن لم يكن يخيفه، فهو يعزي السجين، ويسلّيه ويصبّره. وقد يصبح الاتصال مع الله في الصلاة تخابراً!
 تابع الأمثلة الغريبة على التدين المصري: اللواء ثروت جودة، قال للواء رأفت شحاتة، عندما تولى المخابرات أيام الإخوان: انسَ القسم الذي حلفته أمام «مرسى» وطلب منه أن يكفر عن قسمه، بأن يصلي ركعتين لله، ويخونه، والقسم هو أمام رئيس منتخب، وأمام الشعب، ومن قبل الاثنين هو: أمام الله، فما اتقى التدين المصري؟
ومن قبل كنا نرى عبد الناصر يصلي في بعض أيام الجمع، أما السادات فقد أوعز للإعلام بإطلاق لقب الرئيس المؤمن، أما السيسي، فهو متدين وصوفي، ويخاف ربنا، ” واللي ما يخافش من ربنا احنا معاه”.  وقد رأيناه يبكي من عين واحدة من غير دموع أمام وفد الصوفية المشهور.
 إبراهيم عيسى أيضا متدين على ما يظهر، فهو مجند رسمياً لمحاربة الإسلام، ويدعو إلى إحراق البخاري، ويسخر من الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي أطال لحيته لأنّه لم يكن من حلاقين في المدينة، وقياساً عليه،  يمكن القول أنّ النساء المسلمات كن يحتجبن لأنّه لم يكن من فضائيات في المدينة المنورة،  إبراهيم عيسى مؤمن ومتدين،  فهو يعتقد أنّه سيذهب إلى الجنة لأنّ الجنة ليست ضيقة، وواسعة، لكن مصر تضيق بأهلها، الشاعر عبد المعطي حجازي أيضاً مؤمن ومتدين، يتباهى بأنّه لم يصلِّ ركعة لله منذ خمسين سنة، ويعتقد أنّ سيذهب إلى الجنة، بسبب أعماله الخيرية الكثيرة، أو بسبب قصائد المديح والنفاق، وكان دار حوار قديم بين محمد عبد الوهاب ومصطفى محمود عن العمل الصالح والجنة، ويذكر مصطفى محمود أنّ صديقه عبد الوهاب كان سريع الدمعة،  فيقول له : أنت ستذهب إلى الجنة، وتعيش حياة سعيدة لا ينقصها شيء ولا تصلي ولا تصوم؟، لمَ ؟ فيبكي عبد الوهاب خوفاً من الحساب؟
قال عبد الله بن مسعود: (لو علمتم ما أُغلِقَ عليه بابي ما تبعني منكم رجلان)، لكن المشكلة أنّ التدين المصري الجديد يتباهى بنتن ريحه، وكفره، وفجوره وإهانة الإسلام ورموزه، بل أنّ الاستعداء الديني والتجييش الطائفي يجري على قدم وساق، فساويرس يزعم أنّ مصر ستعود إلى قبطيتها، التي اغتصبها عمرو بن العاص قبل 1400 سنة.
” إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالإيمان” حسب قول شهير منسوب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبما أن السلطة المصرية الحالية سلطة رقص وغناء، وسيما، فمعظم الناس تحاول التودد إليها بعقيدتها، والناس على دين ملوكهم غالباً، فكيف إذا كان هؤلاء الملوك جبارين، راقصين، على أجساد شعوبهم أحياء أو أمواتاً.
 ابليس كان متديناً ، وكان لقبه طاووس الملائكة!

_______________

*كاتب سوري مقيم في ألمانيا 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان