البرادعي.. السيسي: مفاتيح الشخصية

أحمد قناوي*
![]() |
(أحزمة الفقر حول القاهرة أخطر من القنبلة النووية ).. شكلت هذه العبارة التي قالها الدكتور محمد البرادعي في جامعة القاهرة، وهو يمنح الدكتوراه الفخرية من الجامعة بعد حصوله وهيئة الطاقة الذرية على جائزة نوبل، مفتاح معرفي لهذه الشخصية المتميزة ، حتى أن كل مواقفه بعد عودتة لمصر راعياً للجمعية الوطنية للتغير كان بينها وبن تلك الكلمة خيط متصل ، فالرجل يتحدث عن رغيف العيش باعتباره سياسية. يقول عن نفسه إشتراكى ديمقراطي، في وقت تحول فيه يساريين مصريين إلى ليبراليين ، ينفق جزءاً من جائزته على منطقة عشوائية في القاهرة ، تتوارد دائما في كلماته مفردات العدالة الاجتماعية والتنمية والفقر، وهو فوق ذلك وبعده واضحاً في مواقفه متسقاً مع أفكارة وكان من نصيبه تشويه شاركت فيها جماعات بينها تنافس، لكنهم اتفقوا على تشوية الرجل من مبارك الى المجلس العسكري الى الاخوان الى السيسي.
إختلفوا في كل شىء واتفقوا على تشوية البرادعي، لكنة كان الأكثر ذكاء منهم حين حدد الشريحة التى يتوجه لها بخطاباته وأطروحاته ورؤاه: شريحة الشباب ، لدرجة يستغرب المرء كيف إستطاع هدا العجوز السبيعنى العمر أن يكون كل من حوله شباب في العقد الثاني أو الثالث على أكثر تقدير . فالرؤية المثالية لهذا الجيل هى التى رأت البرادعي الاكثر إنسانية والاوسع رؤية والاقرب الى الضمير .
محمد البرادعي لم يقدم نفسه ثورياً ولا مخلصاً جل ما قاله أنه مع الناس بجانبهم وامامهم، وأن كل ما يملكه مجرد فكرة ، فكرة العدالة والحكم الرشيد ، وهذا تماماً ما يعكس فكرة زهده في الصفوف الاولي أو الحرص على السلطة حتى لوكان مقعد الرئاسة .
يخطىء محمد البرادعي في بعض تقديراته.. يخطىء في بعض رهاناته وحتى اختياراته ، لكنه يبقي في الإجمال الشخصية المصرية العامة الوحيدة التى إستطاعت إستشراف المستقبل وإمتلكت وضوح الرؤية بتفاصيلها ، وفوق ذلك وقبله حضوره خارجيا بسمعة لم تصل اليها اى شخصية مصرية على الاطلاق .
أخطأ محمد البرادعي في عدم قدرته على توقع تداعيات 3/7 وأن الجناح الامنى هو جناح السلطة التى سيفرض كلمته بالقوة وبالاتباع النافذين في الاماكن المؤثرة، وأن هدا الجناح لن يتورع عن إرتكاب أفدح الحماقات في سبيل تحقيق أهدافه ، لكن يبقي للرجل في لحظة الضمير أنه قرر الانسحاب من المشهد وصاغ رسالة بليغة في الاستقالة لازالت بعض فقراتها تؤخد عناوين لمؤيديه حين تكون هناك مواقف تؤكد صدق توقعاته . حاول سياسياً وهو نائب لرئيس الجمهورية أن يفض الاشتباك الحادث بالسياسة وليس بالعصي، فتكاليف الاخيرة شديدة الخطورة ، لكن الجناح الامنى إستطاع أن ينتصر فحمل عصاه ورحل ، ليبقي مفتاح شخصيته موصولاً لا ينقطع .
( اللى عاوز خدمة يدفع ) كانت تلك جملة عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في حينها لمحاوره ، كان مقدراً لهذه الجملة مع غيرها أن يطويها السر العسكري في أحاديث القادة الخاصة ، لكنها تسربت ومعها العديد من الموضوعات على نطاق واسع من خلال تسريب نقل بالكلمة والصوت كل ما قاله وقصده في السر.. فقد اذيع على نطاق واسع التسريب وصارت كلماته ومفرداته كاشفة، لتبقي هدة الجملة ( اللى عاوز خدمة يدفع ) وهو يشير الى الخدمات التى تقدمها الدولة للشعب، مفتاحاً لهذه الشخصية ترتبط كل كلمة بعد ذلك وكل إجراء بهدة الجملة ، فمن رفع الدعم عن المحروقات الى رفع اسعار العديد من الاسعار والخدمات ، حتى أن الجهات الحكومية الاخري وقد فهمت من هذا الفتاح ابعاد الحركة وحدودها سارعت إما بفرض رسوم جديدة أو برفع رسوم قائمة حتى وصل الامر الى اعداد مشروع لتعديل الرسوم القضائية الى مبالغ تجعل من حق اللجوء للقضاء ترفاً لن يقدر عليه سوى من بلغ حداً من الغني .
وحين تلخص جملة تبدو شعبيتها من واقع الصياغة فهي كذلك تعكس الرؤية التى تنطلق منها سريعة لم تخضع لدراسة بقدر خضوعها لمجرد بيان رقمي ، وهى رؤية ربما صاحبت الكثير من الاشياء بعد ذلك مشروع قناة السويس ، يعرض كمفاجأة ، الرؤية لحل مشاكل البطالة تطرح بنفس السياق تبسيط الى حد الخلل ، ولعل تورط جهة رسمية في تبنى علاج مجموعة من الامراض المستعصية على اكبر المراكز العلمية في العالم إعتماداً على شخص منح درجة عسكرية، وفتحت له القنوات الفضائية والارضية لطرح افكاره عن علاج يتوق له الملايين، دون أدني اعتبار علمي يعكس في مفهومه الاعم تسرع في موضوعات علمية في الاساس تحتاج الى اختبارات وتطبيقات وتجارب، فإذا كان هذا هو الحال مع موضوع بطبيعته يحتاج وقتا حتى لو من جهات بحثية متخصصة، فما البال بالموضوعات الاخري ، ما الضمانة أن كل ما يطرح أو ماطرح لم يخرج عن هده الرؤية .
( إللى عاوز خدمة يدفع ) دون النظر إلى حجم ومعدل الفقر في مجتمع تبلغ نسبة الواقعين تحت خطه أكثر من 50% في أكثر الأرقام تفاؤلاً ، في مجتمع الخدمات الاجتماعية من تعليم وعلاج وغيرة متهالكة وتحتاج إلى إنفاق ضخم ، دون النظر الى البحث أولاً عن بدائل إقتصادية ومالية ، دون التفكير في الآثار التي يمكن أن تنتج عن سياسية اللى عاوز خدمة يدفع، و في مجتمع مثل مصر سترتب نتائج كارثية ليس فقط لمعنى الجملة ومفرداتها ولكن من تلك الخلفية التى جاءت منها ، وهى خلفية قادرة في كل وقت على صياغة متسرعة في اكثر الامور تعقيداً .
مابين (أحزمة الفقر حول القاهرة أخطر من القنبلة النووية ) جملة الدكتور محمد البرادعي، و (إللى عاوز خدمة يدفع) جملة وزير الدفاع في وقتها المشير عبد الفتاح السيسي يتلخص حال وطن
_______________
* محام وحقوقي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
