كل عام وحكومات تونس يخير!

ليس منتظرا أن تُحاسب حكومة التكنوقراط على إخلالاتها بعد أن حزمت حقائبها ورحلت، كما لم ولن يحاسب غيرها. لتبقى خزينة الدولة التونسيّةالأكثر تضرّرا
![]() |
عبد الرزاق قيراط*
ليس منتظرا أن تُحاسب حكومة التكنوقراط على إخلالاتها بعد أن حزمت حقائبها ورحلت، كما لم ولن يحاسب غيرها. لتبقى خزينة الدولة التونسيّة وماليّة الأسر الفقيرة الأكثر تضرّرا خلال فترة وجيزة أدارتها خمس حكومات. والسادسة بقيادة الحبيب الصيد جرى ترميمها وحظيت بتزكية النواب، وباشرت مهامها رغم الانتقادات الكثيرة التي تلاحق تركيبتها وبرنامجها الفضفاض وقد صاغته “أقلام خشبيّة” غلبت على أفكارها الشعارات المستهلكة التي تغنّى بها المخلوع بن علي طوال عقدين من الزمان…
بعد حفل التسلّم والتسليم، تحدّثت وسائل الإعلام عن دموع المهدي جمعة رئيس التكنوقراط، وعن فخره بإنجازاتٍ، ذكر على رأسها تنظيم الانتخابات. غير أنّ ذلك الاختبار الديمقراطيّ الكبير يخصّ هيئةً عليا مستقلّةً أنْجَحَتْه بفضل كوادرها.. ولذلك يصعب الحديث عن نجاحات مزعومة لحكومة التكنوقراط التي حظيت بمباركة المجلس التأسيسيّ، بعد أن اصطفاها الرباعيّ الراعي للحوار الوطنيّ المشهود. فتسلّمت مقاليد السلطة بأريحيّة كبيرة. وبدا للجميع أنّ وزراءها “الأكفّاء” من غير السياسيّين سينقذون البلاد من مهاترات الأحزاب، وجرائم الإرهاب. وسينعشون الاقتصاد، ويصفون العلاج النافع لجميع الأزمات… ولكنّهم فشلوا. فلا تشغيل، ولا تنمية، ولا أمن، ولا عدل…، وقد سُجن في عهدهم مدوّنون، من بينهم الناشط المعروف ياسين العياري المُدان بحكم جائر، استعجلته محكمة عسكريّة متشنّجة. والسجينُ ابن عسكريّ شهيد قضى أثناء القيام بواجبه في صفوف الجيش التونسيّ!!.. إنّها عيّنة من الحقائق التي نكتشف قبحها وفظاعتها حين نتمعّن في بعض التفاصيل، ومنها ما يتعلّق بجرائم الفساد الماليّ. فبعد عام من حكم التكنوقراط، يتّضح أنّهم تهاونوا في مقاومة ذلك النزيف وسكتوا عن تجاوزات كثيرة. وقد نشرت هذه الأيّام تقاريرُ مفزعة عن اختلاسات ضخمة تورّط فيها موظّفون ورؤساء مصالح ومسؤولون كبار في مؤسّسات الدولة وبنوكها بعد أن تمتّعت، وياللعجب، بسيولة ضخّتها الحكومة لتغطية عجزها وحمايتها من الإفلاس. وتتحدّث المعلومات عن مبالغ طائلة اختلسها المؤتمنون عليها وفرّوا بها إلى بلدان الجوار، مستفيدين من حالة التراخي في مراقبة أجهزة الإدارة والمصارف وملاحقة المفسدين بحزم.
وفوق ذلك، ختم المهدي جمعة فترة إدارته للبلاد بفضيحة مدوّية، بعد أن حصل على قرض بفوائض مشطّة تدلّ على صفقة مشبوهة.. فقد اتخذ قراره دون أن يمرّ بمجلس النواب كما ينصّ الدستور الجديد، وفي فترة انتقاليّة لا تسمح لرئيس الوزراء بالحسم في قرارات مصيريّة بعد أن قدّم استقالة حكومته، وكلّف بتصريف الأعمال، في انتظار تسلّم الحكومة الجديدة لمهامّها..
وبالرغم من تلك البراهين التي تثبت حجم الفشل والتجاوزات المقترفة في حقّ التونسيّين، تحاول مؤسّسات سبر الآراء إقناعنا بنجاح عظيم لفريق التكنوقراط ورئيسهم. فقد زعمت “سيغما كونساي”، على سبيل المثال، أنّ المهدي جمعة تحصّل على المرتبة الأولى في نسبة الرضا على الأداء ب82 بالمائة، يليه الرئيس الباجي قايد السبسي بنسبة 74 بالمائة. وتبعث تلك المعطيات على الدهشة والسخرية معا.. فكيف يحصل المذكوران على تلك النسب العالية من رضا المواطنين الذين شاركوا في العيّنة المستجوبة، والحال أنّ نصفهم تقريبا (48 بالمائة)، يعتقد أنّ الوضع العام بالبلاد غير مرضيّ. وكيف يُساءَلُ التونسيّون عن أداء قايد السبسي بعد أيّام قليلة من مباشرته المهام التي أنيطت بعهدته؟ وهل يستحقّ الرئيس ذلك الانطباع الإيجابيّ مع غياب إنجازات ثوريّة ملموسة لن تأتي أبدا بحكم صلاحيّاته المحدودة؟!
إنّ ما تروّجه شركات سبر الآراء في تونس يدخل ضمن المغالطات المضحكة التي لا هدف لها إلاّ تضليل المواطنين، وإقناعهم بالدخول في عهد جديد/ قديم، يُزكّى فيه الحاكم بكلّ الوسائل الممكنة. ولذلك، تسكت غالبيّة وسائلُ الإعلام اليوم عن التجاوزات والإخلالات التي كانت تترصّدها بالأمس في عهد الترويكا، فظلّت تخصّص لها ، المنابرَ وتستنفر المجتمع المدنيّ لتؤلّب عليها الرأي العام، بحراكٍ عاصفٍ مستوحًى من أغنيةٍ شعبيّةٍ قديمةٍ تقول كلماتها :”شعلِلْها شعللها، ولّعْها ولّعْها”..، واستمرّ ذلك النهج إلى أن نجح في إسقاط سياسات وهيئات وحكومات…
وهكذا تتواصل المهازل في تونس، وآخرها ما رافق حكومة الحبيب الصيد من مشاورات طويلة للحسم في تركيبتها.. وعندما تضيع مائة يوم في تشكيل الحكومة، لن ننتظر مائة يوم أخرى لمحاسبتها على حصيلة لا تفاؤل بشأنها. فالحكومات التي تولد بصعوبة، مصيرها أن تسقط برمّتها أو يسقط جزء من بنيانها الهش. وهكذا ستضيع أشهر أخرى لإعادة التشكيل أو مراجعة بعض التعيينات التي فرضتها ضرورات مؤقّتة، كترضية أطراف ناصرت قايد السبسي في السباق الانتخابيّ، وطمأنة أحلاف ساهمت في تغيير المشهد السياسيّ، وتشريك أحزاب على مضض من أجل الحصول على مبايعة نوّابها في “يوم الزينة”، تحت قبّة المجلس النيابيّ.
خمس سنوات مرّت على ثورة الحريّة والكرامة، تشكّلت خلالها ستّ حكومات لم تجلب رخاءً ولا إصلاحاً. ولكنّها صنعت صنما جديدا اسمه الثورة. واتخذت من أهدافها ودماء شهدائها قرابين للوصول إلى الحكم. إنّها الصرعة الجديدة في تونس، حيث تعاقبت ثلاث صرعات عمّرت عهودا طويلة. فكانت البداية بعهد بورقيبة و”جهاده الأكبر” لبناء دولة الحداثة. ثمّ جاء بن علي ببيان يبشّر بالديمقراطيّة ويَعِدُ بتكريسها.. وبعد فسحة الثورة وحكوماتها الكثيرة، وصل ركب الحبيب الصيد ليحقّق بدوره “أهداف الثورة” في عهد قايد السبسي وكلاهما خدم مع المخلوع زين العابدين بن علي، فهنيئا لهما بعودةٍ كعودة الدرّ إلى معدنه، وكلّ عام وحكومات تونس بخير ما دامت تسعى لتحقيق أهداف الثورة
_______________
* كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
