فيزا للجهاد في سوريّة وحماقات أخرى

استوى وزير الخارجيّة التونسيّة الطيّب البكوش باعتباره وزيرا “ما يعرفش حاجة” مع الرجل الطيّب سرحان عبد البصير بطل مسرحيّة “شاهد ما شفش حاجة
عبدالرزاق قيراط*
استوى وزير الخارجيّة التونسيّة الطيّب البكوش باعتباره وزيرا “ما يعرفش حاجة” مع الرجل الطيّب سرحان عبد البصير بطل مسرحيّة “شاهد ما شفش حاجة”. فقد كان تصريحه المذاع على التلفزيون الرسميّ التونسيّ عن “فيزا الجهاد” (التي تمنحها تركيا للتونسيّين الراغبين في القتال بسوريّة)، أقربَ إلى مشهد تمثيليّ كوميديّ رغم ما ظهر على وجهه من الحزم والعزم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم المضحكات… والباعث على الضحك خليط من الكذب والغفلة والجهل، وهي صفات مطلوبة في السياسة الداخليّة لا الخارجيّة، على أن تكون بجرعات خفيفة لا يشعر بها عامّة الناس…
في تصريح وزيرنا الطيّب كانت الجرعة قاتلة (من شدّة الضحك)، وهو يحدّثنا عن إنجازه العظيم في مجال العمل الدبلوماسيّ، فأكّد أنّ السلطات التركيّة أذعنت لمطلبه وحذفت عبارة “الجهاد” من وثائق الحصول على الفيزا “التي يعمّرها الشباب التونسيّ” بعد أن قال لهم إنّ ذلك يشجّع على الإرهاب، ويبدو أنّ المذيعة كانت جاهلة أو متجاهلة، فلم تعارض ما سمعته ولو بسؤال لطيف لتنبيه الوزير إلى الجرم الذي ارتكبه بحق الثقافة العامّة والدبلوماسيّة التونسيّة الذكيّة..، وهكذا وقع الوزير في ورطة كبيرة وهو يضيف بثقة وثبات في القول: “نبّهنا أصدقاءنا الأتراك فعدّلوا موقفهم وحذفوا كلمة الجهاد“.. والغريب أنّ وزيرنا الطيّب لم يقدّم استقالته إلى حدّ كتابة هذه السطور، متجاهلا فظاعة ما صرّح به، إذ يعرفُ التونسيّون جميعا (إلاّ الوزير الطيّب) أنّ الدخول إلى تركيا لا يستدعي طلبا ولا فيزا. وهذا قديم من عهد بورقيبة… وبذلك استوى مع سرحان عبد البصير في حديثه عن فاتورة التلفون التي يجب أن يسدّدها وإلاّ فإنّ مصلحة الهاتف “حتشيل العدّة”.. وفي ذروة الموقف الساخر يقول عادل إمام “ثمّ أنا ماعنديش تلفون”.. وعلى منوالها قيل في تونس “ثمّ انا ماعنديش فيزا”، وهي المفارقة التي أضحكتنا على وكستنا خلال الأيام الفارطة… ونحمد الله أنّ السلطات التركيّة لم تستدع سفيرنا لديها للتشاور، فقد أصبحت “متعوّدة دايما” على هكذا تصريحات
تُنافس وزيرَنا الطيّب في عرض حصيلة الإنجازات العظيمة وزيرةٌ طيّبةٌ هي الأخرى، حصلت على “شنطة” السياحة، وهي مشغولة هذه الأيام بخياطة أكبر عَلَمٍ في التاريخ تبلغ مساحة قماشه مائة ألف متر مربّع ويزن 12 طنّا. ومن فرط طيبتها وذكائها واحترامها للعلم، أوصت الوزيرة بتمزيقه بعد الاحتفاء به، وتحويله إلى أغطية توزّع لاحقا على العائلات الفقيرة!!
وهكذا سيدخل عَلَمُنا موسوعة “جينيس” للأرقام القياسية، وسيُدخِلُ معه أفكارَ الوزيرة لشدّة طرافتها، وكلّها أشياء مفيدة تساهم في الترويج للسياحة التونسية.
وعلى العموم، يتسابق الوزراء كلّ في ميدانه لإسعاد التونسيين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا… وقد أدلى وزير الشؤون الدينيّة بدلوه المبارك للتضييق على الأئمّة الخطباء كما كانت عادته قبل سنوات.. فهو من رجال بن علي، اصطفاه المخلوع في عهده، فظلّ باسطا ذراعيه بالوصيد، واصطفاه رئيس حكومة “النداء”، إحياء لسنّة سياسيّة حميدة تقوم على إعادة تدوير أزلام النظام القديم، فطفق يراقب المساجد ومن يعمرُها من جديد. وهدّد بإقالة إمام يجهر بانتصاره للثورة على الاستبداد بتهمة المشاركة في مظاهرة وقد “ضُبِط فيها هاتفا الله أكبر” هكذا قال الوزير مندّدا بجرم الإمام، فأين أنت يا باسم يوسف.. ليتك كنت تونسيّا!
لقد أثبتت حكومة الحبيب الصيد بعد مائة يوم من تولّيها السلطة أنّها تضمّ وزراء لا يَصلُحون ولا يُصلِحون، كما كان الرئيس المرزوقي يقول عن الأنظمة العربيّة الفاشلة لمّا كان معارِضاً مطارَداً..
وإذا كانت الأمثلة السابقة تدخل في باب المضحكات، فإنّ أمثلة أخرى تثير المخاوف باعتبارها من المبكيات التي تهدّد بعودة الحكم الاستبداديّ حيث يجري الإعداد لقوانين تنقلب على الدستور الجديد، وتجبّ ما قرّره في مجال الحرّيات. فقانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح يرمي إلى ترميم النظام البوليسى الذي عاث فسادا في عهد بن علي. وتمثّل مسوّدته التي قُدّمت لمجلس النواب تهديدا واضحا لحرية التعبير والتفكير ونسفا لحق المواطن فى إعلام حرّ ونزيه. وقد تجاهل وزير الداخليّة الانتقادات الكثيرة التي وجّهت لذلك المشروع، ما يدلّ على المضيّ قدما في تمريره لإصلاح ما (أفسدته) ثورة الحرية والكرامة!
ويعرض على مجلس النواب قريبا، قانون آخر للرفع في سنّ التقاعد إلى خمسة وستّين عاما أي بزيادة خمس سنوات، يعتقد وزير الشؤون الاجتماعيّة أنها الحلّ الوحيد لتجاوز حالة الإفلاس التي تعاني منها صناديق الدولة.. وهو يعلَمُ علم اليقين أنّ سبب الإفلاس يكمن في رواتب الوزراء والنوّاب والمحافظين الذين يحصلون على كامل الأجر بعد قضاء سنوات قليلة في مناصبهم.
فهنيئا للتونسيّين الفقراء بأمثال هؤلاء الوزراء الذين سيساهمون في إسعادهم، وقد فعلوا، فأدخلوا على القلوب سرورا وحبورا. والشعب التونسيّ في أمسّ الحاجة لمن يسعده بعد أن احتلّ المراتب الأخيرة في مؤشّر السعادة، والمرتبة الأولى عالميّا في معدلات الإصابة بمرض الكآبة، حتّى ارتفعت أعداد المنتحرين الشبّان احتجاجاً على البطالة وانسداد الأفق، إذ يبلغ عدد المعطّلين قرابة 600 ألف تونسي ثلثهم من الحاصلين على شهادات جامعيّة عليا…ولعلاج كلّ ذلك، كثرت حماقات وزرائنا في الفترة الأخيرة وهي إذْ تثير سخرية التونسيّين على مواقع التواصل الاجتماعيّ فإنّها تؤجّج المخاوف على مستقبل البلاد بعد أن سُلّمت أماناتها لمن لا يستحقّها
___________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه