الأسباب التي تدفع السيسي إلى الانقلاب

عبده مغربي*

 

 تزايدت حملة الانتقادات ضد نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في وسائل الإعلام المصرية خلال الأيام الماضية، بدا الأمر وكأنه انقلاب عليه في مواقف البعض من أنصار الرئيس .

 “المصري اليوم” الجريدة اليومية الخاصة الأوسع انتشاراً  في مصر تفرد ملفاً كاملاً عن التعذيب في سجون وزارة الداخلية، للحظة .. قد تُصدم إذا عرفت أن رئيس تحرير “جريدة المصري اليوم” الجديد محمود مسلم من الصحفيين المحسوبين علي نظام مبارك، والذين كانت لهم علاقات قوية مع ولده جمال، والذين يرتبطون بعلاقات أقوي مع قيادات وزارة الداخلية.

 قبلها جريدة “الدستور” التي أفردت هي الأخري صفحاتها لنشر ” الانحرافات التي يرتكبها ضباط الشرطة مع المواطنين”.

 القاسم المشترك في التناول الصحفي لانحرافات ضباط وزارة الداخلية عند الصحيفتين، تمثل في أن المادة المنشورة كانت عبارة عن تجميع  لمحاضر وقضايا حررتها وزارة الداخلية نفسها ضد هؤلاء الضباط، ونشرتها الصحيفتان نقلاً وبالنص من هذه المحاضر، غير أن توقيت إعلان الحرب علي وزارة الداخلية هو الذي أصاب الوزارة بالهلع كونه جاء عقب مقتل أحد المحامين علي يد ضباط  في قسم المطرية شرقي القاهرة، وهي المنطقة التي تعج بالإشتباكات منذ فترة بين أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي والشرطة، وأيضاً تأكيد وزارة الداخلية في تحرياتها التي قدمتها للنائب العام  قبل أسابيع بأن  تحقيقاتها الداخلية أكدت أن أحد ضباطها هو وراء مقتل الناشطة شيماء الصباغ، التي قتلت في تظاهرة في ميدان طلعت حرب، وهي  القضية التي هزت الشارع  المصري لأسابيع.

في البيان الذي نشرته “جريدة الستور” عقب القبض علي محررها الذي نشر في حلقات متواصلة الانحرافات الخاصة ببعض ضباط الشرطة قال رئيس مجلس إدارتها “رضا إدوارد” إن هذا الصحفي تم تكليفه مندوباً للجريدة  في وزارة الداخلية بناء علي طلب من قيادات في الوزارة، وهو ما انتهي بعده “رضا إدوارد” إلي نفس مصير المحرر عندما تم القبض عليه بتهمة الهروب من تنفيذ 91 حكما قضائيا واجبة النفاذ،  رجل الأعمال نام علي “البرش” في قسم الأزبكية حتي تم الإفراج عنه بعد تسديد الأحكام الصادرة ضده سواء بانقضاء المدة، أو بإعادة الإجراءات.

لكأنها حرب من داخل الدولة علي النظام الحاكم فيها الآن، فرئيس تحرير “جريدة المصري اليوم” الجديد المعروف بعلاقاته المتاشبكة بضباط من عصر حبيب العادلي، وعلاقاته المتشابكة  أيضاً بأركان نظام مبارك، وقربه الشديد من نجله جمال، هو الذي كلف قسم الحوادث في الجريدة بإعداد الملف:  “ثقوب في البدلة الميري”، أيضاً المحرر الذي نشر حلقات انحرافات ضباط الشرطة  في “جريدة الدستور” – بحسب بيان الجريدة – هو مَن طُلِبَ بالاسم من قيادات وزارة الداخلية لأن يكون مندوبا “جريدة الدستور” لدي الوزارة.

يتناسق أو يتكامل مع ذلك إعلان رئيس حزب الوفد السيد البدوي شحاتة أن قائمة اللواء سيف اليزل الانتخابية التي ورثها عن قائمة الجنزوري لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة هي قائمة أمنية بامتياز أعدها وأشرف علي اختيار أعضائها  ضباط كبار في الأجهزة الأمنية بمصر، وهو التصريح الذي نسف القائمة تماماً، ودمرها شعبياً، وهو  أيضاً  التصريح الذي من نتائجه أن الظهير السياسي للرئيس السيسي في البرلمان القادم الذي يسعي البعض لأن يكون داعمه في القرارات والمواقف السياسية والتنفيذية أصبح في مهب الريح.

 ولا يمكن النظر إلي تصريح رئيس الوفد بمعزل عن شراكته المالية في بيزنس الفياجرا مع اللواء حسن عبد الرحمن رئيس جهاز مباحث أمن دولة مبارك، الذي ما زال يحظي بشعبية في أوساط ضباط الأمن الوطني حتي الآن، كما لا يمكن رؤيته أيضاً بمعزل عن شراكة البدوي المالية والسياسية أيضاَ مع رجل الأعمال الأشهر في مصر نجيب ساويرس، الذي ترصد تقارير صحفية وأمنية استعداداته بمليار جنيه لدعم مرشحين له في الانتخابات البرلمانية القادمة التي يهدف من خلالها إلي استخلاص الأغلبية، في انتخابات مترهلة يجمع الكثير علي أن المال هو العامل الحاسم  الحقيقي فيها في ظل عدم وجود كيان سياسي متماسك يستطيع الحصول علي ثقة الناخب المصري، وأيضاً في ظل حالة التداخل والتناقض والتعارض والارتباك والرجفة المسيطرة علي المشهد السياسي في البلاد، ولا يمكن كذلك فصل ذلك كله عن الضربات الحاصلة الأن سياسياً وإعلامياً ضد نظام السيسي من تحالف “البدوي-ساويرس”.

فجريدة “المصري اليوم”  التي  شنت الهجوم علي جهاز الشرطة  تبدو ملكية نجيب ساويرس فيها واضحة ومؤثرة، كما أن “جريدة الدستور” التي فتحت المزاد في الهجوم علي وزارة الداخلية، كانت مملوكة لـ”لسيد البدوي” قبل أن يتنازل عنها لصديق عمره “رضا إدوارد” وإن كانت معلومات تقول إن التنازل صوري، وإنها ما تزال مملوكة للبدوي.

علي وجه مغاير، وإن لم يكن مغايراً تماما لما سبق، أنه في الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي إلي القاهرة في 9 فبراير الماضي، وبعد طلب رسمي من الرئيس السيسي بأن مصر في حاجة إلي 36 شحنة غاز طبيعي علي عجل، أعلن الرئيس “فلادمير بوتين” استعداد بلاده توريد الغاز إلى مصر بالكميات التي تطلبها مقابل سلع مصرية مثل  البطاطس والبصل والبرتقال والحمضيات، وهو عرض يفترض أن يوفر للدولة ما يزيد علي المليار دولار من العملة الصعبة، سيتم تسديدها علي مراحل مقابل سلع مصرية.

 عرض في قمة الإغراء،  يشمل توسيع سوق التصدير للسلع المصرية من جهة، وتوفير العملة الصعبة فضلاً عن تسهيلات في السداد من جهة أخري، وبالفعل صدرت التعليمات من الرئيس الروسي إلي وزير الطاقة المرافق له في الزيارة “إلكسندر روفاك” بتوفير احتياجات مصر العاجلة.

شريف إسماعيل وزير البترول في حكومة محلب الذي يفترض أن تتابع  وزارته مع الجانب الروسي تنفيذ الصفقة، فوجئت به الأجهزة الرقابية قبل شهر يقوم بتوقيع عقد آخر مع شركة “ترافي جورا” السويسرية علي توريد 23 شحنة غاز من إجمالي 36 شحنة عاجلة تحتاجها مصر، تم زيادتها في اتفاق ملحق  مع الشركة السويسرية إلي 33 شحنة، والدفع بالدولار عداً ونقداً. المفاجأة أن سمير أمين سامح سمير فهمي، نجل وزير البترول الأشهر في مصر سامح فهمي،هو وكيل الشركة السويسرية أو قل الذي سيقبض عمولة الصفقة.

   أيضاً القاصي والداني في وزارة البترول يعرف أن “آل دياب” وهم بالمناسبة الذين يمتلكون النسبة الأكبر في “جريدة المصري اليوم” هم أكثر الذين تحصلوا علي امتيازات من سامح فهمي  أثناء توليه وزارة البترول، والحقول التي حصلوا عليها، وحققوا من ورائها ثروات ضخمة ما يزال الخبير البترولي الدكتور إبراهيم زهران يصرخ من هول فجاجتها متهماً “فهمي” بأنه  سهل استيلاء “آل دياب ” علي آبار الغاز والبترول  المصرية، لهي خير دليل علي تشابكات المصالح وتداخلها بين سامح فهمي أحد أقطاب نظام حكم مبارك وعائلة “دياب”.

 واستكمالاً للطرح تأخذنا اللحظة إلي علاقة سامح فهمي برجل الأعمال “أكمل قرطام” رئيس حزب المحافظين الآن قيادي تحالف الوفد المصري في الانتخابات القادمة، والأهم من رئاسته حزب المحافظين، أنه اشتري جريدة التحرير، من صاحبها إبراهيم عيسي قبل عدة شهور، ضمن منظومة تتكامل مع بعضها البعض في خريطة للسيطرة يرأسها نجيب ساويرس الذي ضم إلي إمبراطوريته الإعلامية فضائية “التحرير” وبدل اسمها ليصبح “تي إن تي “.

  كل هذه الأمور تحدث علي الأرض في هدوء تام،  باتت تكشف إلي  أي مدي أن نظام السيسي أصبح بحاجة ملحة إلي انقلاب عاجل وسريع علي الدولة العميقة التي يمثل نظام مبارك أحد أهم أركانها  المتداخلة فيما بينها مع الأركان الأخري المتجسدة في تشابكات المال والسياسة والإعلام، خاصة بعد أن بدأت هذه الدولة حربها الناعمة ضد نظام السيسي مستغلة أفرادها القدامي والجدد في المؤسسات الحيوية بالدولة.

نعم هي حرب بدون ضجيج،  لكنها تتكامل  في منظومتها مع الحرب المعلنة بين نظام السيسي والتحالف الموالي لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حرب إن لم يقطع السيسي الطريق عليها بانقلاب سريع من الداخل عليهم سينقلبون هم جميعاً عليه وبوتيرة أسرع من وتيرته

________________

*كاتب وصحفي مصري

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان