المؤسسة العسكرية بين التقديس والمساءلة!!

عصام تليمة*

يحتدم النقاش والخلاف دائما حول مكانة الجيش المصري دينيا وسياسيا وشعبيا، ولم يكن لهذا النقاش أن يشتد قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، إذ كان الجيش المصري في ثكناته يحتفظ له الشعب المصري بكل الحب والتقدير، حيث إنه لم يكن متواجدا مباشرة في السلطة، وله في قلوب المصريين مكانة، لكن وبعد انقلاب الثالث من يوليو بدأت المؤسسة العسكرية تجيش شؤونها المعنوية وتضم لها عددا من الدعاة والأزهريين، من باب إضفاء الشرعية الدينية عليه، تارة بحشد نصوص دينية في شأنه، وتارة بتقديسه أيضا من باب الدين، أو من باب الوطنية المصرية، ونحتاج إلى وقفة هادئة رصينة بإنصاف حول المؤسسة العسكرية بين التقديس والمساءلة.
فنرى المؤسسة الدينية المسيسة تحشد النصوص لتأييد الجيش في الحق والباطل ، وعمدتهم الدينية في ذلك حديث: “عليكم بأهل مصر، فإنهم خير أجناد الأرض” وهو حديث في سنده كلام كثير، بناء على علم الحديث الذي له رجاله وعلماؤه، لا يمكن أن يرقى هذا الحديث بحال من الأحوال عن درجة الحديث الضعيف.
رغم أن المتأمل في هذا الحديث الضعيف، على فرض صحته، يضطر للوقوف على هذه المخالفات الدينية الصريحة: فهل كان لمصر طوال تاريخها جيش؟ وهل يعتبر المماليك وعسكرهم الذين سرقوا مال الشعب المصري، وساموهم سوء العذاب، هل يعتبر هؤلاء خير أجناد الأرض. وهل من المعقول دينيا أن يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم جيشا بالمطلق دون وضع قيود على خيريته، هل خير أجناد الأرض، في عهد عبد الناصر، الذين كانوا يستخدمون النساء المصريات في النوم مع الجواسيس للحصول على معلومات، هل يستقيم هذا التصرف وغيره من مخازي العسكر مع هذه الخيرية الدينية؟!!!
وهل بعد التسريبات التي رأتها الدنيا كلها، ورأت فساد فئة من العسكر، بتدخلها في القضاء، وتزويرها للأحكام، وفرض هيمنتها عليه، وتبرئة القاتل واللص، والزج بالبريء والحكم عليه بما لا يوافق شرعا ولا قانونا، ولا عدلا، هل بعد كل هذه التسريبات يصبح أمثال هؤلاء: خير أجناد الأرض، فمن أنجس أجناد الأرض إذن إن لم يكن هؤلاء؟!!!
لقد ارتفع مشايخ العسكر بالمؤسسة العسكرية إلى درجة لم يقل بها عالم على مدار التاريخ، وأضفوا عليه قداسة لم يضفوها على الصحابة الكرام، على الرغم من أن خير جيوش الدنيا، جيش محمد صلى الله عليه وسلم، لم ينل هذا الأمر، بل كانت الخيرية مرتبطة بطاعة الله، والالتزام بأوامره، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فجيش المسلمين في بدر الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: “لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم”، نفس هذا الجيش عندما هزموا في أحد مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة، نزلت آيات منها قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) آل عمران: 155.
بل إن صحابيا من جيش محمد صلى الله عليه وسلم، وقد مات شهيدا، وسرق (شملة) من الغنائم قبل تقسيمها، وقد قال عنه الناس: إنه في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم عنه: “إن الشملة التي اشتملها لتشتعل عليه نارا”، فهل لللقارئ أن يتخيل، مجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سرق (كوفيه) توضع على الرقبة، وقد تكون من نصيبه لو قسمت الغنائم، لكنه تعجل وأخذها بدون حق، فما بالنا بمن سرق أراضي الوطن، ومقدراته، وكل خيراته، بدعوى أنه جيش مصر الذي يحميه؟!
لقد حاسب الرسول صلى الله عليه وسلم قادة عسكريين، من صحابته الكرام، بل تبرأ من بعض أفعال آخرين، فرأينا النبي صلى الله عليه وسلم يحاسب أسامة بن زيد حين قتل امرءا نطق بالشهادتين، عندما قالته أسامة، فلما أوشك أن يقتله قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: أقتلته بعد أن نطق بها؟! فقال أسامة: لقد قالها تعوذا من السيف، فقال صلى الله عليه وسلم: هلا شققت عن قلبه؟ يقول أسامة: فوددت أني لم أسلم قبل ذلك اليوم، لشدة عتاب النبي صلى الله عليه وسلم له، ولأن الإسلام يجب ما قبله.
وأما خالد بن الوليد وهو من هو، من لقب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيف الله المسلول، وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، ونبه على خالد ألا تقتل امرأة لا تقاتل، ثم قال: “اللهم إني أبرأ إليك ما صنع خالد”. وعندما رأى أحد المجاهدين معه صلى الله عليه وسلم، وقد سرق شملة، فقال: إن الشملة التي اشتملها لتشتعل عليه نارا.
وتارة يريدن إضفاء قداسة على العسكر، بدعوى الحفاظ على الوطن، وأنه مهما ظلم الجيش يجب أن نحافظ عليه حتى لو كان ظالما، مخالفين بذلك سنن الله في كونه، وسنن الحياة، فالجيوش على مدار التاريخ بعقيدتها وأدوارها، فكل جيش كانت عقيدته ودوره حماية الوطن، والبقاء في ثكناته مرابطا في سبيل حماية البلاد والعباد، فهذا هو الجيش الذي يراعى ويحترم، أما الجيش الذي لا تخرج الرصاصة من بندقيته إلى لصدور بني وطنه، متدخلا في السياسة، حاشرا أنفه في كل مصالح الوطن، مختزلا كل مقدرات الوطن له بحق وبدون حق، وبدون حق أكثر، بل بباطل وبغي وظلم، عندما يتحول العدو الإسرائيلي لصديق لدى هذا الجيش، ومن أولى مهامه: حماية حدود هذا العدو، وتهجير أبناء الوطن، والفتك بهم، فهذا جيش أقل ما يقال فيه: ملعون في الدنيا والآخرة، معلون من الله والملائكة والناس أجمعين، ملعون في كل رسالات السماء، ومحاسب في كل قوانين الأرض.
ليست المشكلة لدينا في تقدير الجيش والمؤسسة العسكرية عندما تعمل لصالح الوطن، وفق دورها المنوط بها، المشكلة أن من ينادون بتقديس العسكر اليوم، تيارات لا تؤمن بالمقدس الديني، بل تريد في مشاريعها وكلامها تجاوزه، بدعوى حرية الرأي وأنه لا قداسة في الإسلام، فتتحدث عن الثوابت والمقدسات حديثا لا يليق، بينما تستدعي التقديس للمؤسسة العسكرية التي ليس لها أي قداسة دينية، فهم يستبدلون المقدس الديني بالمقدس العسكري

________________

*من علماء الأزهر

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان