“لي كوان يو” ونموذج نهضة سنغافورة

نور الدين عبد الكريم*
![]() |
قبل أيام ودع السنغافوريون رئيس وزرائهم الأسبق وباني سنغافورة الحديثة السيد “لي كوان يو” وذلك في الوقت الذي لا يزال مشهد بكاءه على شاشات التلفاز حاضراً في أي نقاش يدور هنا حول تاريخ هذا البلد وحول التحديات والعقبات التي مرت به منذ تاريخ إعلان الانفصال عن ماليزيا ليتولى البلد شؤون نفسه السياسية والشعبية وإلى أن ينتهي به الحال كأحد أبرز نمور التجارة والاقتصاد الآسيوي والعالمي اليوم.
في التاسع من آب (أغسطس) من عام 1965 تفاجأ كوان يو (يبدأ الصينيون الاسم باسم العائلة ثم الاسم الأول فاسم الأب) تفاجأ بالقرار الذي اتخذه أول رئيس وزراء لماليزيا تونكو “عبد الرحمن عبد الحميد” والذي يقضي بانفصال سنغافورة عن ماليزيا بعد أن كانت إحدى دول الاتحاد الماليزي بموجب اتفاق الاستقلال عن الاستعمار البريطاني والذي تم توقيعه في عام 1963. وبعد أن أُعلن قرار الانفصال هذا على الشعبين في الإذاعة الرسمية للبدين، توجه كوان يو لعقد مؤتمر صحفي مسجل يجيب فيه عن أسئلة الصحفيين ويطمئن شعبه ويطرح خططه. فتم توجيه سؤال له يطالبه ببيان خلفيات هذا القرار والأسباب التي أدت إليه. ولحظتها لم يملك القوة لإخفاء دموعه ومدارات ارتباكه، فالمهمة التي ألقيت على كاهليه عصيبة وثقيلة. بلاده في ذلك الوقت كانت عبارة عن جزيرة تعاني من الفقر، وتفتقر للموارد الطبيعية للاقتصاد، وترتفع فيها معدلات البطالة، وتكاد تكون معدومة البنية التحتية.
بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الحكومة الماليزية لاتخاذ هذا القرار وخلفياته، ودون الخوض في ما سبقه من اضطرابات بين الجارتين، فما يسترعي التوقف هو السياسة التي اتبعها كوان يو للوصول بسنغافورة إلى مستوى جعلها تحتل المركز الحادي والأربعين بين دول العالم في إجمالي الدخل القومي (حوالي 340 مليار دولار)، والمركز السابع عالمياً في معدل دخل الفرد (حوالي 62 ألف ونصف دولار سنويا)، في حين انخفض معدل البطالة فيها إلى 3.1 بالمائة، بالإضافة إلى إنشاء سوق حر عالمي، يتميز بمناخ استثماري متطور، وسط بيئة سياسية واجتماعية منفتحة وخالية من الفساد والمحسوبية.
إذن، وجد كوان يو نفسه مسؤولا وبدون وصاية عن دولة مفتقرة لمصادر الدخل، ترتفع فيها نسبة الفقر والبطالة. والفساد فيها مسيطر على كافة مؤسسات الدولة. ومما زاد الأمر صعوبة التعدد الإثني والديني في المجتمع. فأدرك أن البدء يجب أن يكون بعمل إصلاحي إداري ومالي، واتخاذ قرارات حازمة وصارمة في سن القوانين التي من شأنها محاربة الفساد، ومن ثم العمل على خلق الاستقرار والأمان. ولا يمكن في حال من الأحوال أن يتحقق ذلك دون الدعم والظهير الشعبي؛ لذلك بدأ كوان مشروعه الإصلاحي بترسيخ مبادئ المجتمع الواحد المتحد، فنزل إلى الشارع وتقرب إلى كافة فئات وأفراد الشعب، وظهرت له حينها عدة صور وهو يشارك المواطنين والعمال أعمال تنظيف الشوارع، وهو ما لم يعتاده الشعب ممن سبقه. ولكي يثبت صدق نوايا حزبه قام بترسيخ قواعد الديمقراطية وحرِص على شفافية الانتخابات ونزاهتها، وفي المقابل سن العقوبات الصارمة لمخالفي القانون، فارضاً بذلك احترام الدستور من قبل كافة فئات المجتمع، بغض النظر عن الدين أو العرق، فعلى الرغم من أن العرق الصيني يشكل الأغلبية، يليه العرق المالاوي ثم الهندي فقد حرص على مبدأ الاشتراكية (الغير شيوعية) جاعلاً الجميع خاضعا لنفس القوانين والمبادئ على السواء ودون أي استثناءات أو محسوبيات. وعلى الرغم من اختلاف ديانات الشعب بين البوذية والإسلام والمسيحية فقد أوجد مساحة واسعة تتيح لك مواطن حرية ممارسة دينه ضمن القوانين التي صاغها دينه.
عمل كوان في نفس الوقت على إصلاح نظام التعليم، حيث جعل منه نظاما يحرص على تخريج العقول المفكرة والأيدي المنتجة، فكان اختيار الدراسة والتخصص على حسب المستوى الذهني والقدرات الخاصة بكل طالب. وبعد التخرج يكون التعيين مبنيا على أساس الكفاءة والاستحقاق لا المحسوبية والوساطة.
وفي مجال مكافحة الفساد فقط تم إنشاء جهاز خاص بالتحقيق في قضايا الفساد ومكافحتها ومنح هذا الجهاز كافة الصلاحيات في التحقيق والاعتقال واستدعاء الشهود، بالإضافة إلى صلاحية الاطلاع على الحسابات البنكية والذمم المالية الخاصة بالمتهمين بشبه الفساد وكل أفراد عائلتهم أيضا. ويعد القضاء النزيه الذي تم تشكيله الركيزة الأساسية والقوة الداعمة التي اعتمد عليها في القضاء على الفساد، مما ساعده على تطبيق هذه القوانين والسياسات بنزاهة ومصداقية وحزم، وهذا ما جعل نزاهة وشفافية القضاء مثالا يحتذى به عالميا، وباعتراف المفوضية الدولية للقضاء. ولا تغيب عن الأذهان قصة الشاب الأمريكي (Michael Fay) الذي ألقي القبض عليه بتهمة السرقة وإتلاف ممتلكات عامة، وحكم عليه بتلقي ست جلدات، وهو حكم أوقع الحكومة في موقف محرج مع الإدارة الأمريكية، وإعلامها، ورغم كل التدخلات والوساطات التي قادها الرئيس الأمريكي حينها “بيل كلينتون” نجح محامي الدفاع بعد جلسات الاستئناف في تخفيف الحكم إلى أربع جلدات، وتم تنفيذ الحكم دون الالتفات إلى الموقف السياسي للحكومة.
أما من الناحية الأمنية، فقد كان أمام كوان يو تحديات خارجية وداخلية؛ فخارجياً سنغافورة محاطة وقريبة من دول ضخمة كأندونيسيا والصين والهند، وكونها تحتوي أحد أهم الموانئ في المنطقة فإن أي خلل في منظومة حركة الملاحة قد يتسبب بتهديد أمنها القومي، لذلك سارع كوان يو إلى تحصيل الاعتراف الدولي باستقلال سنغافورة ومن ثم باشر بتشكيل الجيش السنغافوري المسلح بعد أن طلب مساعدة بعض الدول لتساهم في خبراتها ومساعداتها العسكرية، فتمكن في فترة خمس سنوات تقريبا من تشكيل جيش قوامه حوالي 16 ألف مجند، و11 ألف من القوات الاحتياطية، وتم تجهيز الجيش بكافة الوحدات العسكرية مثل وحدات المشاة، والكوماندوز، والمدفعية، والهاون، إضافة إلى كتائب الدبابات، وناقلات الجند، والمدرعات، والمهندسين الميدانيين. أما داخليا، فأكبر تحدي كان يواجهه هو أعمال الشغب والتخريب التي كانت تقوم بها الحركة الشيوعية ذات البعد الطائفي، فاستخدم سلاح الحرب السياسية ضدهم موجهاً لهم الضربات المتتابعة التي تسببت في الكثير الانشقاقات داخل صفوفها. وفي نفس الوقت جعل رجال الشرطة على أهبة الاستعداد للتصدي لأي أعمال شغب تظهر في تلك الفترة الحرجة. وبطبيعة الحال لم يكن ليعتمد على رجال الشرطة قبل أن يعمل فيهم عملية الإصلاح والتوجيه المعنوي والنفسي.
وبقي أخيرا الحديث عن الإعلام، فقد تمتع الإعلام بالاستقلالية والحرية، وأعطي الصلاحيات المطلقة للنقد والكتابة والنشر عن الحكومة وشخصياتها بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه، وكان التعامل مع وسائل الإعلام مبنيا على قاعدة النزاهة والشفافية. فمرونة قيادات الحزب الحاكم ونزاهتهم ألهمتهم الثقة بالنفس وعدم الخوف من السلطة الرابعة. ولكن هذا التعامل كان يتسم أيضا بالحزم والمحاسبة من قبل الحكومة. فطالما وقف كوان أمام القضاء رافعاً القضايا على وسائل إعلامية اتهمته بدون أدلة وبدون حجج، ولطالما كسب هذه القضايا. فكأن حرية الإعلام مرهونة بمصداقيته وإنصافه، وإلا فالقضاء هو الحكم.
وبهذا يكون كوان يو وحزبه من حوله قد نجحوا في خلق بيئة مجتمعية مدنية تتأخر فيها المصالح الفردية لحساب المصالح العامة، وتتغلب فيها النزعة الوطنية على النزعة العرقية والطائفية والدينية، ويتساوى فيها الحاكم والمحكوم أمام القضاء. وهو ما جعل من سنغافورة أرضاً خصبة للاستثمارات الأجنبية والتبادلات التجارية، ووجهة مقصودة من قبل أكبر وأضخم الشركات العالمية، الأمر الذي خلق الكثير من فرص ومجالات الإبداع للمواطن السنغافوري. وهذا ما نقل سنغافورة وارتقى بها من جزيرة فقيرة معدومة الموارد الطبيعية إلى أحد أبرز نمور الاقتصاد في منطقة جنوب شرق آسيا، ومن أهم الدول التي يشار إليها عالميا، ويكفي أحدنا أن يشغل محرك البحث جوجل ليطّلع على حقيقة مكانتها الاقتصادية، والمميزات التي يتمتع بها المواطن السنغافوري.
التجربة السنغافورية أثبتت أن نهوض الدولة وانتعاشها لا يعتمد فقط على ما تملكه من مصادر وموارد للدخل، فأمام ناظرنا الآن دول عدة تملك من مصادر الدخل والموارد الطبيعية ما لا يقدر بالأثمان، ومع ذلك تقف بعيدة وعاجزة عن الوصول إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، وبدل من أن تكون من أقوى الدول انتاجا نجدها من أكثر الدول استهلاكا. التجربة السنغافورية تثبت أن الاستثمار الصحيح للنهوض بالدولة هو المواطن، والخطوة الأولى في ذلك هي قطع دابر الفساد.
________________
*باحث أردني مقيم في ماليزيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
