أزمة الوفد لن يحلها اجتماع السيسي

أسباب الصراع الجديد الذي يشهده حزب الوفد في مصر الآن تدور في بعض منها حول إهدار أموال الحزب، وما وصفوه بالفساد السياسي لرئيسه السيد البدوي.
عبده مغربي*
![]() |
في واقعة غير متوقعة، فاجأ الرئيس عبد الفتاح السيسي أطراف الصراع في حزب الوفد بطلب اجتماع عاجل معه لإنهاء الأزمة التي يعيشها حزبهم، والتي توشك أن تلقي بواحد من أكبر الأحزاب المصرية في سلة المهملات الحزبية، التي تضم العديد من الأحزاب المصرية الأخري التي ماتت إكلينيكياً بفعل صراعات شبيهة.
والذي ينظر إلى أوضاع الحياة الحزبية بمصر يجد أنها طوال عمر التجربة التي بدأت في العام 1976 بقرار من الرئيس الراحل محمد أنور السادات يجد أنها لم تزد عن مجرد كونها ديكور سياسي أراده السادات لتجميل صورة نظامه، ثم استمر عليه مبارك، ومن كان يشذ من هذه الأحزاب عن الدور المرسوم لها في تجميل صورة النظام فإن التجميد يكون مصيره علي الفور، أو يكون مصيره الحل، كما حدث مع حزب العمل برئاسة المهندس ابراهيم شكري الذي تم تجميد حزبه في مايو عام 2000 بعد الحملة الصحفية التي شنتها جريدة “الشعب” الناطقة بإسم حزب العمل، وتعرضت لعملية إغراق البلاد بالمبيدات المسرطنة وهي الحملة التي استهدفت وقتها الدكتور يوسف والي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة في نظام مبارك.
حزب العمل الذي أراد أن يمارس دوره في المعارضة، وجاء جهاز أمن الدولة بعضو من آخر الطابور ليقيم مؤتمراً ورقياً تقدم به إلي لجنة شئون الأحزاب السياسية التي أصدرت قرارها في دقائق بتجميد الحزب. لقد كان هنا حزب اسمه حزب العمل، نفس الموقف تكرر مع أحزاب “الأحرار”، و”الوفاق القومي”، و”مصر الفتاة” وغيرها من الأحزاب التي ما إن أرادت أن تكون أحزابا حقيقية إلا وكان التجميد مصيرها.
تذكرت هذه الأحداث التي كانت عليها أحزاب “معارضة مبارك” وأنا أطالع الأخبار التي أبرزت اجتماع في قصر الرئاسة ظهر الأربعاء 13 مايو الجاري للرئيس عبدالفتاح السيسي مع أطراف الصراع في حزب الوفد، وأبرزت أيضاً حرص السيسي علي تماسك بنيان حزبهم، وتدخله شخصياً لوقف تدهور الحزب بسبب الصراع الدائر بين قياداته، والذي من المؤكد أنه كان أو ربما ما زال سينتهي به إلي التجميد، أو إلى الاقتتال الداخلي إن استمرت الأزمة بين قيادات الحزب علي حالها كما سبق وحدث مع رئيسه الراحل الدكتور نعمان جمعه عام 2006 بسبب الصراع أيضاً بين نعمان جمعة من جهة، ومحمود أباظة والسيد البدوي من جهة أخري، وهو الصراع الذي وصل إلي حد الاقتتال بالأسلحة النارية، وأدي إلي إصابة 23 بينهم 7 صحفيين بسبب محاولة كلا الطرفين السيطرة علي مقر الحزب في “1 شارع بولس حنا” بالدقي.
أسباب الصراع الجديد الذي يشهده حزب الوفد في مصر الآن تدور في بعض منها حول إهدار أموال الحزب، وما وصفوه بالفساد السياسي لرئيسه السيد البدوي، وأيضاً حول رغبة عدد من قياداته وقف محاولات الهيمنة التي يقوم بها السيد البدوي علي الحزب، ورغبة الأخير في المضي قدماً نحو إنجاز هذه الهيمنة من خلال إنتخاب هيئة عليا مواليه له تماماً، وخالية من خصومه، و الذين يمكن حصرهم تحديداً في “فؤاد بدراوي” منافسه في الانتخابات الماضية علي رئاسة الحزب، و”محمود أباظه” الرئيس السابق للحزب، و”عصام شيحة” المستشار القانوني ، و”عبد العزيز النحاس”، و”محمد المسيري”، و”يس تاج الدين”، و “شريف طه”، و “أحمد يونس”، و”مصطفي رسلان” أعضاء الهيئة العليا والقياديون بالحزب، وغالبيتهم من الذين سبق وأن أعلنوا في مؤتمر لهم بمحافظة الشرقية مطلع الشهر الجاري سحب الثقة من “السيد البدوي” بسبب سياساته التي يقولون إنها أدت إلى إسقاط دور الوفد في الشارع المصري، وطالبوا بتشكيل مجلس رئاسي لإدارة الحزب داعين أعضاء الوفد إلى دعمهم في هذه القرارات، وهو المؤتمر الذي قابله “السيد البدوي” بقرارات عنيفه بمنعهم من دخول الحزب، وتجميد عضويتهم وإحالتهم للتحقيق، وقام في سبيل ذلك بتكليف شركة ” فالكون” الخاصة للأمن بحراسة الحزب وتنظيم عمليات الدخول والخروج منه وإليه.
لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بـ”السيد البدوي وخصومه” يوم الأربعاء 13 مايو في قصر الرئاسة أعقبه اجتماع الهيئة العليا لحزب الوفد في نفس اليوم بالمقر الرئيسي رغم أنه يفترض أن هذه الهيئة العليا هي بحكم اللائحة هي في حكم العدم، وتعتبر منحلة بمجرد فتح باب الترشيح للانتخابات الجديدة ، خاصة إذا علمنا أن باب الترشيح قد فتح في 29 أبريل الماضي وأغلق في 5 مايو الجاري، ما يعني أن اجتماع هذه الهيئة باطل قانوناً وفقاً للائحة حزب الوفد.
المهم انعقد الإجتماع تنفيذاً لتوصيات الرئيس السيسي، وتم التشاور لحل الأزمة بطرح خيار إعادة فتح باب الترشيح للهيئة العليا لمدة أسبوع، لمن يرغب من المناوئين لـ” السيد البدوي “في الترشح، أو خيار آخر بتعيين عدد من الأعضاء الثمانية الذين دعوا لسحب الثقة من “السيد البدوي” في الهيئة العليا الجديدة من ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الحزب تعيينهم فيها، وقيل إنه تم الإتفاق علي التعيين، ووقف إحالتهم للتحقيق.
علي أن الأهم من ذلك كله أن القرارات التي تم الإعلان عنها لإنهاء أزمة الوفد قد تبدو خيالية وسطحية جداً، فكيف لـ”فؤاد بدراوي” الذي بدا أنه يناضل من أجل قيمة وقامة “الوفد” أن تكون كل أزمته محصورة فقط في تعيينه بالهيئة العليا للحزب، كما هو الحال كذلك لقيادي آخر هو “عبد العزيز النحاس” الذي يحظي بقبول واضح في أوساط شباب الوفد فكيف يتم اختصار موقفه في مجرد الحصول علي هبة من السيد البدوي بتعيينه في الهيئة العليا.
إن البيان الذي صدر عن الاجتماع الذي عقده “السيد البدوي” بعد مقابلة الرئيس، وأُعلن فيه انتهاء أزمة “الوفد” هو بذاته عقدة أخري من عُقد المشكلة التي تطوق “حزب الوفد” الآن، كونها تصور خصوم البدوي علي أن مشكلاتهم معه شخصية في الأساس، وليست من أجل الوفد، وإذا كانت الأزمة ستنتهي مع قبولهم عرض رئيس الحزب بتعيينهم في الهيئة العليا، فمن الذي سيحاسب “السيد البدوي” علي 145 مليون جنيه من أموال الحزب قالوا إنه أهدرها منذ توليه رئاسته، وعددوا مناقب رؤساء الحزب القدامي بدءًا من فؤاد باشا الذي نجح في شراء القصر الذي هو الآن المقرالرئيسي للحزب، فضلاً عن نجاح “الباشا” في ترك وديعة للحزب بمبلغ 48 مليون جنيه، ليأتي بعده نعمان جمعه، وينشئ مقراً للجريدة منفصلاً عن مبني الحزب، ورغم خوض الحزب لإنتخابات الرئاسة مع ما تمثله من تكاليف باهظة إلا أن نعمان جمعة استطاع أن يزيد قيمة الوديعة من 48 مليون إلي 70 مليوناً، ليأتي بعده محمود أباظة الذي ضاعف المرتبات لجميع العاملين في الجريدة والحزب برغم تكاليف عقده 8 جمعيات عمومية، ومع ذلك تمكن من زيادة الوديعة من 70 مليوناً إلي 90 مليون، حتي جاء البدوي -حسب قولهم- وأهدر الوديعة فلم يتبق منها إلا 7 ملايين جنيه، وقالوا إن جريدة الوفد علي وشك الإفلاس، فهي تخسر شهرياً ما يقرب من المليون جنيه، والمبلغ المتبقي من الوديعة لا يكفي لاستمرار الجريدة 4 شهور قادمة، وقالوا إن مصروفات الحزب والجريدة لم تزد علي 10 ملايين جنيه سنوياً، وإن عوائد الإعلانات السنوية في الجريدة كانت 12 مليوناً، ما يعني أن الفائض من الإعلانات بعد خصم الـ” 10 ملايين” مصروفات الحزب، والجريدة يفترض أنه يُعْلي من قيمة الوديعة، لكنه بسبب سياسات البدوي في الحزب، و توقيعه منفرداً عقد إعلانات الجريدة مع صديقه “علاء الكحكي” صاحب شركة “ميديا لاين” دون الرجوع إلى مجلس الإدارة، وعدم سداد “الكحكي” لمستحقات الجريدة، وتستر البدوي علي ذلك، أدي إلي تراجع عوائد الجريدة ومن ثم انهيارها.
فضلاً عن التخبط في إدراته لشئون الحزب، وعبثه في كشوف الجمعية العمومية، للإتيان بـ”هيئة عليا” علي مزاجه، كل هذا يجعل اجتماع السيسي لإنهاء أزمة الوفد مجرد خيال بعيد المنال عند الكثير من قيادات وأعضاء الحزب، اللهم إلا إذا كانت مقابلة الرئيس بمثابة حصانة للسيد البدوي تتكسر عندها كل مطالب الوفدين العادلة
_______________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
