حرّم تسلم” قياساً على قاعدة “سكّن تسلم”

نور الدين عبد الكريم*

يقول البعض “سكّن تسلم”. والحقيقة أن هذه المقولة توفر متنفسا ومخرجاً لمن يشكو من ضعف في فن الإعراب، فيكثر الوقفات ويعمد إلى التسكين متحججاً بأن العرب لا تقف على متحرك. ويبدو أن هذه الفكرة قد نالت إعجاب البعض فاتخذ قاعدة لنفسه أسماها “حرِّم تسلم” للتخلص من عناء البحث وإعمال الفكر والفقه في ما يطرأ من مسائل وقضايا معاصرة مستحدثة. فيخال إليه أنه بالتحريم يحافظ على سلامة ونقاء الدين.
عادة ما تنشط قاعدة التحريم بالأصل هذه عندما يشكو الباحث صاحب الحكم من ضعف وصعوبة في فهم عين المسألة وما يتعلق بها من ضروريات الحكم على الأمر لذاته بناءً على تتبع جوهره المتجرد من أي وصف يعتريه إما بشكل مؤقت أو دائم. فهو بناءً على هذا الضعف يخطيء التصور فيحكم على الوصف الطارئ لا على الجوهر الثابت.
أقرب مثال على ذلك تفاحة متعفنة وُجِدت في صندوق من التفاح؛ فالتصرف المنطقي في هذه الحالة هي نزع هذه التفاحة واستصلاح ما كان بجوارها وإبقاء والمحافظة على ما تبقى من التفاح. فالتفاح بجوهره سليم خال من العلل والعفن، وبالتالي لا يترتب على تناوله أي ضرر صحي ولا شرعي، أما فساد التفاحة فوصف طاريء يقتضي إزالته إما جزئيا بإزالة العفن أو كليا بالتخلص من هذه التفاحة الفاسدة. هذا ما يقتضيه التصرف الصحيح بعد معرفة حقيقة الفساد الذي أصاب تلك التفاحة وطرق انتقاله وطرق السلامة منه. أما إن قرر صاحب الصندوق أن يتخلص من كامل الصندوق دفعة واحدة فهذه مبالغة عن الحد المعقول عقلياً وعلمياً. ولا يمكن تفسير حالة مرتكب هذا التصرف إلا بأنه جاهل علمياً بمسألة انتقال الفساد والعفن، وأن حكمه على كامل الصندوق بالاعدام ناتج عن ضعف واهتزاز في قوة الشخصية العلمية لديه، حيث اعتقد أنه بفعله هذا يؤثر الصحة والسلامة.
من الأمثلة الواقعية على مثل هذه الحالة، ما ذكره لنا مرة أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية، الدكتور أحمد نوفل، أنه حينما ظهرت تكنولوجيا أجهزة التسجيل الصوتي في المنطقة العربية وافق ذلك فترة حكم الإمام في اليمن، فكان ذلك الإمام يعمد سرا إلى تسجيل جلسات حديثه ونقاشاته مع جلسائه صوتياً، وفي نهاية النهار يخبرهم أن لديه من الجن والأرواح من هم قادرون على إعادة نقاشهم الذي دار ظهر ذلك اليوم، فما أن يسمعوا حديث الجن ذلك والذي هو في حقيقته عبارة عن إعادة تشغيل لما سجلته آلة التسجيل، ما أن يسمعوا ذلك إلا وسرعان ما يصدقوه ويصدقوا أنه مسنود بالجن، فيستغل ذلك في إملاء أوامره ويفرط في استبداده.
الشاهد في هذه القصة أنه عندما افتضح أمره حكم بعض شيوخ ذلك المكان –وليس كل شيخ بعالم- بحرمة استخدام آلات التسجيل هذه لأن فيها كذب واستخفاف بعقول الناس عدى عن ادعاء تدخل الجن فيها. الذمة في هذه القصة على صاحب الرواية.
وأذكر مرة أنني استمعت لدرس ديني في شريط صوتي يتألف من وجهين مدة كل وجه حوالي 45 دقيقة، لداعية –وليس كل داعية بعالم- كان يتحدث فيه وعلى مدار الساعة والنصف تقريبا عن حرمة أجهزة الفيديو، ويشبهها بأنها أحد أصناف الشياطين، بل هي الشيطان بعينه، من يُدخلها داره فقد استحضر الشيطان وأجلسه أمام أهل بيته، وأنزل بهم الوبال والخراب، فزوجته ستفسد، وبناته سيضعن، وأبناؤه سيهيمون في الشوارع وراء ملذاتهم وشهواتم. كنت في سن الطفولة وقتها، وكدت أن أصدق ذلك لولا أن ذاكرتي أسفعتني بتذكيري بشريط فيديو شاهدته قبل هذه الحادثة بأيام، كان عن حث المسلمين بالصوت والصورة على التبرع والإنفاق في سبيل بناء المساجد ودور العلم في دول العالم الإسلامي. فقلت في نفسي أيعقل أن يأمرني هذا الشيطان الآلي ببناء المساجد؟؟!!
للأسف، تطبيق قاعدة “حرّم تسلم” غير مقتصر على زمن ما قبل انتشار وتوسع التكنولوجيا فقط، بل هو تطبيق مستمر ومتواصل حتى يومنا الحاضر، فما أن نتعرف على اختراع أو اكتشاف جديد، إلا ونجد من يسارع في التجريم والتحريم. وهنا أذكر أيضا أنه بعد مرور حوالي عام على ظهور الفيس بوك، وأثناء حوار مع أحد الأصدقاء ذكرت له خبراً شيقا قرأته في أحد الصفحات الزرقاء، فبمجرد سماع كلمة “فيس بوك” ارتعد وانتفض ورمى بالخبر جانبا على أهميته، وبدأ بحثي على تركه والابتعاد عنه فهو عمل من أعمال الشياطين، عافاني وعافاك الله.
الطريف في الموضوع، أن متابعة حال أغلب القائلين بالحرمة ابتداء –من باب السلامة والحفاظ على صفاء ونقاء الدين كما قلنا- يلاحظ أنهم يدركون بعد فترة من الزمن أنه بالامكان استخدام نفس الأمر بشكل آخر مباح، فبالتالي يظهر لهم خطؤهم في حكمهم الابتدائي، ومن ثم يتفننوا في استخدام ما قد نـَـهوا عنه. فالمسجلات الصوتية بعد أن كانت صوت من أصوات الجن تصبح وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله عن طريق نشر وتوزيع الدروس والحصص الدينية، ولم يقتصر استخدام الشياطين الآلية المسماة “فيديو” على الأشرطة المستقلة بل تطور إلى دروس في الفضائيات وفي عالم اليوتيوب وكافة وسائل الإنترنت، وصديقي الذي زجرني على استخدامي للفيس بوك دخل قائمة الأصدقاء عندي، ومازال يتحفني حتى اليوم بتغريداته وصوره وأخباره.
عودٌ على بدء، عندما يتمكن العالِم من علمه ويدرك الحلال وأفراده والحرام وأجناسه؛ يتعامل بأريحة وثقة نفسية مع كل أمر مستحدث، فيحسن التروي، ويحسن التصرف، ويجيد الحكم بما يفتح الله عليه. تاريخنا الإسلامي زاخر بالأمثلة والنماذج التي تحول فيها العلماء من طالبي علم إلى باحثين لاهثين عن المعرفة والحقيقة، فأخذوا يجوبون مشارق الأرض ومغاربها، فلعل معلومة لم تصلهم، ولعل نظرية لم يسمعوا بها، فانهالوا على علوم الهند والفرس واليونان والإغريق وترجموها واستفادوا منها، وشجعهم على ذلك بعض الخلفاء الذين عرفوا وفهموا قيمة العلم والتعلم، فتم تخصيص الأوقاف على طلبة العلم، وتم تأسيس المعاهد والمكتبات، وتم تخصيص المكافئآت والمحفزات للمؤلفين والمترجمين، وكان نتاج ذلك أن ظهر عندنا علماء أجلاء وأعلام سجلهم التاريخ في أنصع صفحاته، لم يقتصر تخصصهم على العلوم الشرعية واللغوية والعقدية والفلسفية فحسب، بل تعداها إلى علم الفلك والرياضايت والجبر والكيمياء والطب والجيولوجيا والتكنولوجيا…. وغير ذلك من المجالات. ولهذا يصف المؤرخون المعاصرون الحضارة الإسلامية بأنها الجسر الذي نقل المعرفة إلى أوروبا الحديثة، والتي لولاها لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.
فهل سيكون هذا حالنا وحال العالم من حولنا لو كان نهج من سبقنا مبنيا على التشكك والتوجس من كل ما هو جديد، وتغليب سوء الظن على حسنه، والقول بالتحريم ابتداءا مع أن الأصل في الأمور الإباحة؟!
فهلا تثبتم من علمكم أثابكم الله

__________________

*باحث أردني مقيم في ماليزيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان