مصر على موعد آخر مع الإحباط

التقدير الأدني أن الوعي الجمعي يمنح وقتاً، وأن العقل الجمعي قرر إبطال الحجج العامة بمنح فرصة، وأن الأداء العام ربما سيكون هو الثائر الأكثر تأثيراً.. يتبع.

أحمد قناوي*

يعاني المصريون حالياً حالة من الاحباط، لم يمروا بها منذ نكسة يونيو 1967.
كنت صغيراً حين وقعت نكسة أو هزيمة 67 ، لا أذكر منها سوي دمية  قيل لى عنها إنها لجندي إسرائيلي ، ولم أغادر طفولتى الا والجيش المصري قد عبر القناة وحطم خط بارليف وحقق نصراً بدا لي في طفولتى كبيراً، برغم أني لم أر دمى هذة المرة لأى معتدٍ إسرائيلي في شوارع قريتنا.
لكن بعد هذا النصر قرأت كثيراً عن النكسة أكثر مما قرأت عن النصر ، قرأت عن تحطيم جيل عربي كامل دمرت النكسة أو الهزيمة أحلامه ومشاعره وطموحاته، وكنت أرى أن مجرد إقدام “السادات” وخلفة جيش قوامه أبناء العمال والفلاحين على اتخاذ قرار الحرب في هذا الجو المحبط وحالة الانكسار التى تجسدها الهزيمة، يعد في ذاتة نصراً نفسياً ومعنوياً هائلاً لا يقدره حق قدره سوى هذا الجيل المحبط المنكسر، المنتصر .
وعندما توسعت الآفاق أمامي عمراً واطلاعاً اكتشفت أن جوهر الهزيمة هو كسر الارادة لا احتلال الأرض فقط ، وأن فكرة كسر الإرادة بعد نصر أكتوبر ظلت باقية، يقيناً كان أحد أهم أسباب الانكسار هو الاستيقاظ على حالة كذب رسمي عامة، وهى إسقاط طائرات للعدو، وتحقيق خسائر جسيمة للعدو، ونحن على أبواب تل أبيب، ما منح أطياف الشعب المصري قوة كاذبة وخادعة، وحين أفاق الشعب على هول الصاعقة كان الإحباط والانكسار بحجم كل الأكاذيب التى وصلت لمستوي قياسي وغير مسبوق .
هزيمة 67 أطاحت حلم ناصر في وطن عربي واحد، أطاحت معها حلم التنمية الاقتصادية المستقلة وبالجملة مشروع ناصر،  واستدعي مشروع الهزيمة حتى بعد النصر، من انفتاح وصلح منفرد مع العدو، مع ديكور ديمقراطي تمثل في المنابر ثم الاحزاب، وكان من نتائج ذلك تراجع الطبقة المتوسطة، وتراجع معدلات التنمية وتراجع الدور المصري عربياً  وإقليمياً ودولياً ، وغير ذلك الكثير حتى انتهى ألامر بمقتل “السادات” وسط نخبة الجيش المصري، ومن شخص ينتسب الى هذه المؤسسة.
الأخطر، الذي أحدثتة الهزيمة، هو فقدان الثقة العامة في الوسائل الإعلامية والرسمية وغيرها، وباتت النكات المصرية تجسد تلك الحالة بسخريتها اللاذعة، لكن جيلاً فقد البوصلة فتحرك بغير هدى صوب المطلق لعل فيه الخلاص، ازداد بناء المساجد والزوايا وتعالى صوت خطاب دينى رافض بالمطلق، يحمل بين ثناياه ما يشبة الانتقام، حتى وصل الأمر إ لى ظهور تيارات أشدها تطرفاً يكفر المجتمع وأقربها اعتدلاً يطالب بأسلمة المجتمع، وكأنه كان في جاهلية تشبه ما قبل بعثة الرسول صلي الله علية وسلم .
 في الحالتين تغير لون الشارع المصري والخطاب المصري بتدين مظهري وخادع أكثر منه تدين يدعو إلى التقدم وإشاعة العلم والحض على الفضيلة التى تم اختصارها في مجموعة من الطقوس ليس إلا.
لعل القريب الذى يتابع مصر الآن متصلاً بحالتها مشاركاً ولو حتى بالمتابعة يرصد حالة إحباط عامة لم تحدث في مصر منذ العام 67، وكما كان الشباب محورالشعور بالهزيمة في 67، كان هو أيضاً القطاع الأكثر إحباطاً الآن، بعد ثورة سلمية أطاحت “مبارك” وهو الذي كان يتحدث قبلها بأيام بثقة كل دكتاتور انفصل عن محيطه وفقد خاصية إستشعار حالة غضب تتراكم على مدار عقد كامل .
كانت ثورة يناير جذوة الشعور بالأمل متجسداً في ملايين الشباب الحالم بوطن حر كريم ترفرف علية رايات العدالة والمساواة والحرية، وكان العالم كلة يتناغم مبهوراً بثورة سلمية خلاقة، وكانت مصر كلها على موعد لتخط  في صفحات التاريخ خطاً فاصلاً بين نظامين، خطاً فاصلاً بين اليأس والحلم .
 وفي الثورة، وكل ثورة تتوزع الرغبات والطموحات، وتتنازع المصالح فيجد الخصم ثغرة أو ثغرات للنفاذ، وما أكثر الثغرات التى حدثت في أعقاب يناير، لعل أهمها إعلان المجلس العسكري في ذلك الوقت عن مجرد تعديلات على دستور 1971، وانقسم رفاق الميدان في الخطأ الاسترتيجي الاول، فريق مع تلك التعديلات ويضم فصائل الإسلام السياسي على تنوعها ومعها أيضاً المجلس العسكري، وفريق آخر وكان معبراً عنه الدكتور محمد البرادعي أصحاب شعار الدستور أولاً، وفي تحالف الإسلام السياسي والمجلس العسكري كان الفوز ، أجري الاستفتاء، وكان الانقسام داعياً إلى مزيد من التوغل فالساحة منقسمة ، فتجرأ المجلس العسكري وألقي بنتيجة الاستفتاء إلى سلة المهملات وأصدر إعلاناً دستورياً منبت الصلة بالاستفتاء، وليس هذا مقام الحديث فشرحه يطول، لكن مقام الحديث هنا هو الإجهاز الكامل على ثورة يناير بكل ما مثلته من وحدة وتلاحم وانتقلت الأحداث خطوة تلو الخطوة، حتى ظهر مبارك متحدثاً للشعب المصري في ذكري تحرير سيناء .
سبق ذلك تكثيف إعلامي نازى ضد يناير، وتبعه القبض على عدد من شباب الثورة والزج بهم في السجون، وتنامي حملة فاشية واسعة النطاق طالت ربما كل شيء.
لا أحد كا ن في مأمن وحتى اللحظة، لا عضو التنظيم الإسلامي ولا حتى اللبيرالي الذى أوسع الدكتور محمد مرسي نقداً وصل إلى حد الشطط .
 خرج رموز عهد مبارك من السجن واحداً تلو الآخر ودخل شباب الثورة السجن فرادي وجماعات ، ولعل الراصد الآن لهذا يلاحظ أن الإحباط سيد الموقف ، فلا أحد يستطيع أن يعرف قادم الأيام ولا حتى اللحظة القادمة منها، لعل ظواهر تبدو متباعدة لكن بينها خيطا رابطا، رحلة عمرة إلى الأراضي المقدسة تنحرف إلى سوريا للوصول والانضمام إلى تنظيم داعش، هشتاج يدعو إلى التنازل عن الجنسية المصرية يحتل موقعاً متقدما على تويتر، عمليات انتحار بشكل صادم تارة على لوحة إعلانات وأخرى بحبل مشنقة متدل من نافذة، إلى تباهي الكثير من الشباب أنه الآن ينظر إلى مصر من الطائرة .
 كل هذه الظواهر مجرد تجليات محدودة لإحباط كامن يجد تعبيره في صور متعددة، لكن مصر معقدة الفهم ، ومعقدة الاستجابة إلى أي تحليل يبدو منطقياً، فهي ومن محيط اليأس والانكسار عبرت بشابها أعظم مانع صناعي بعد عبور مانع مائي، في توقيت تبدى فيه أن السكون موت فانتصرت .
 التقدير الأدني أن الوعي الجمعي يمنح وقتاً وأن العقل الجمعي قرر إبطال الحجج العامة بمنح فرصة، وأن الأداء العام ربما سيكون هو الثائر الأكثر تأثيراً حين يتصور البعض أن الوطن مجرد طريق يرصف، لأنه أكثر أهمية من هذا الفهم المحدود، وأن الدواعي الكامنة على لحظة انتظار تختصر الزمن بفشل بات قدراً لا فكاك منه، ذلك أن للنجاح شروطا هي: الرضا لا القهر، المشاركة لا التجنيد، الدعم لا الجباية.
إن نظاماً يعادي شبابه ويحتقر أحلامهم وتطلعاتهم يعيش ذات الوهم الذي عاشه غيره حين تصور أن السكون موت، فكان النصر.

___________________

* كاتب  مصري ومحام بالنقض 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان