الحاج ” محفوظ صابر ” ضحية السلام الاجتماعى

وهكذا ترك ” شحاتة المقدس” صلب القضية ليقضي على وطنيته وقوميته وولائه لحكومة مصر التى أعلن أحد وزرائها عدم قبول أبناء العاملين فى طائفته فى السلك القضائى لتدنى مستواهم الاجتماعى

محمد منير*


يحكى أن جهة ما نظمت حفلا أحد شروطه الدخول بالملابس الرسمية الكاملة ، وحدث أن تقدم لدخول الحفل مواطن عار تماماً من الملابس فمنعه رجال الأمن ، وعندما سألهم عن سبب المنع جاءت الاجابة ” بسبب عدم ارتداء الكرافت ” .
الحاج ” محفوظ صابر” وزير العدل  فى قعدة تجلى قال بصراحة أن أولاد الزبالين لا يمكن يصبحوا  قضاة ، فوقفت الدنيا فى مصر ولم تقعد وقام كل من هب ودب (ومنهم أنا ) بمهاجمة التصريح العنصرى للوزير فى حين لو سألنى أحد الآن ” هل يُعّين أولاد الزبالين فى السلك القضائى ؟ ” فستكون إجابتى ”  أولاد الزبالين لا يمكن أن يصبحوا قضاة ” .
 اقيل الحاج “صابر” من منصبه وخرج من الوزارة بزفة بلدى ، بينما لم تطلنى الاقالة رغم اننى اقول ما قاله الحاج “صابر” .. الفرق بينى وبين الحاج “صابر” انه مسئول ذو حيثية رفيعة تحتاج ضوابط ودقة فى الفعل والقول ، بينما أنا مواطن بسيط ليس لى حيثية لا رفيعة ولا سميكة ولا سقف ولاضوابط على أفعالى وأقوالى .
الحاج “صابر” قال ما هو حادث فى مصر منذ زمن طويل ، ولكن ليس كل ما يحدث يقال ، والغريب انه إذا قيل واستفز الرأى العام فأن الرأى العام يوجه غضبه الى القول والقائل دون أى التفات الى الحقيقة الواقعة نفسها ، ولا يهدأ الرأى العام إلا بمعاقبة القائل وتأديبه وكأنه يقول له ” بتقول ليه ؟ وتقلب المواجع لا نريد أن نعرف  ” ليعود بعدها الى استكانته والاقرار بالواقع والرضوخ له.
أولو الأمر من صناع القرار ثاروا أيضاً على الحاج “محفوظ صابر” ودفعوه للاستقالة أو أقالوه من منصبة ، ليس لأن الحقيقة أوجعتهم وإنما لأنه قال مايجب أن يمارسه ويفعله دون التصريح به متجاوزا سياسة سائدة منذ القدم وهى الظلم والقهر الصامت.  إتهم اولو الأمر الحاج “صابر” باستفزاز الرأى العام وإخراجه من هدؤه واستكانته ولم يتهموه بالكذب، فكذب المسئولين أو اقوالهم غير المنطقية أمر من مقتضيات الوظيفة ولا لوم عليها بل تكون فى الكثير من الأحوال أمرا محموداً يستلزم المكافأة .. وعلى سبيل المثال لا الحصر بعد اقالة وزير العدل بسبب تصريحه صرح وزير الشباب بأنه لا يوجد بطالة فى مصر وان عامل “الديلفيرى” البسيط يحصل على 3000 جنيه أجر شهرى ، ولم يثر الرأى العام على هذه الاكذوبة المنافية للحقيقة حيث المقاهى والشوارع والحوارى تعج بالعاطلين عن العمل ، بينما هو نفس الرأى العام الذى ثار على الحاج “صابر” عندما أعلن حقيقة واقعة يعلمها القاصى والدانى والصغير والكبير .
لم يثر الرأى العام المصرى ولم يندهش  عندما أعلن “المحلب” رئيس الوزراء المصرى بأنه اتفق مع نظيره الفرنسى حول أهمية تفعيل دور الأزهر فى تطوير الخطاب الدينى ، فى حين اننى لا أعلم أن المسيو “مانويل فالس” رئيس الوزراء الفرنسى  حاصل على شهادة العالمية او انه صاحب عامود فى أروقة الأزهر ، فى حين اندهش بسطاء المصريين من تصريح الحاج “صابر” وزير العدل من أن ابناء الزبالين لا يلتحقون بالسلك القضائى !!!.
“شحاته المقدس” نقيب الزبالين ثار لأبناء المهنة ورد على الحاج ” محفوظ”، وزير العدل، وأراد المقدس أن يسمو بقضيته وموقفه الذى اعجب الجماهير ويرتفع به لمصاف القضايا القومية الوطنية فتجاوز وزير العدل وتجاوز الأزمة الحقيقية وهى استبعاد ابناء طائفته من الالتحاق بالسلك القضائى بحجة تدنى مستواهم الاجتماعى وتفرغ لرفض تضامن “البرادعى” مع قضية طائفته بإعتبار أن ” البرادعى من معارضى سلطة تسلم الأيادى ولا يجب نشر غسيلنا ” الوسخ ” امام المعارضين ، كما استطاع المقدس ان يرتفع بقضيته على المستوى العالمى عندما رد على السفير البريطانى فى مصر قائلا له ” افضل العمل فى الزبالة على العمل فى قصور بريطانيا ” ، وكانت السفارة البريطانية قد اعلنت عن وظائف فى سفاراتها وانها لا تمانع من تشغيل ابناء الزبالين الذين ترفضهم الحكومة المصرية
وهكذا ترك ” شحاتة المقدس” صلب القضية ليقض على وطنيته وقوميته وولائه لحكومة مصر التى اعلن أحد وزرائها عدم قبول ابناء العاملين فى طائفته فى السلك القضائى لتدنى مستواهم الاجتماعى !
واستطاعت الاجهزة المصرية تحويل احتجاج طائفة الزبالين وآلامهم الى مظاهرة تأييد للنظام ومبايعة.
الحاج “محفوظ صابر” وضع يده فى عمق الحقائق وهو مالم يرض كل الأطراف فنحن منهكون الى درجة اننا لا نقوى حتى على الاعتراف بالحقيقة . 
___________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان