أشواك في طريق زيارة السيسي إلى ألمانيا

بات من المؤكد أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المرتقبة إلى ألمانيا، لن تكون سهلة، ولن تكون مثمرة بشكل يرضي به الطرفان.
صلاح سليمان
![]() |
بات من المؤكد أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المرتقبة إلى ألمانيا، لن تكون سهلة، ولن تكون مثمرة بشكل يرضي الطرفين، فهناك نقاط خلاف كثيرة ستقف حجر عثرة في سبيل نجاح الزيارة وتحقيق أهدافها.
تعتبر الزيارة بالنسبة إلى المستشارة الألمانية ميركل واحدة من أصعب الزيارات التي ستقابلها هذا العام، لآن العلاقات المصرية الألمانية تمر بمرحلة اختبار جدي وحقيقي؛ فألمانيا غير راضية عن ملف حقوق الإنسان في مصر، وقد سبق أن انتقد وزير الاقتصاد ووزير الخارجية فرانك شتينماير أثناء زيارة سابقة لمصر تراجع الحريات، والأحكام التي تصدر بحق المئات بالإعدام وآخرها الحكم بإعدام الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، فيما يبدو في نظر المراقبين أن السيسي يرغب من وراء الزيارة في الحصول علي تأييد ألماني لسياساته المتعنتة ضد خصومه، والتي يحاول أن يسوّقها للغرب دائما على أنها تتم في إطار مكافحة الإرهاب، لكنه من المتوقع أن يقع خلافا جوهرياً حول هذا الملف، وذلك وفقا لرؤية الكثيرين من المحللين السياسيين في ألمانيا.
أما ملف دعم التنمية والاستثمار فلا يمكن فصله عن الملف الأول، إذ أن ألمانيا تشترط دائما تقديم المساعدات الإنمائية بالتزامن مع التقدم في ملف حقوق الإنسان، والمصالحة المجتمعية، والاستقرار، وتحقيق الديمقراطية.
السؤال الآن : كيف سيبرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمستشارة الألمانية أحكام الإعدامات الصادرة بحق المئات من المعارضين؟ وكيف سيرد علي اتهامات الصحافة الألمانية، وبعض السياسيين الألمان بانتقاد إدارته التي تنتهج سياسة القمع والتنكيل بالمعارضين؟
بالتأكيد الأمر لن يكون مريحاً للرئيس المصري، بل سيكون أي تبرير غير منطقي محرجا للدبلوماسية المصرية، لأن ملف حقوق الإنسان وديمقراطية الشعوب هو ملف حساس للغاية في ألمانيا، فالحكومة الألمانية لن تستطيع البت في الموافقة علي أي مساعدات، أوعقد اتفاقات تنموية إلا بعد الحصول علي تطمينات مؤكدة من الرئيس المصري بالعمل علي منح مزيد من الحريات، وترسيخ المبادئ الديمقراطية في البلاد، وإجراء مصالحة وطنية.
موقف ألمانيا واضح في هذا الإطار فنحن نعرف موقفها المتعنت ضد رغبة تركيا في الانضمام إلى دول السوق الأوروبية المشتركة بسبب ملفها في حقوق الإنسان، فهل ستمارس ضغطا مشابها علي مصر مقابل منحها مساعدات يحتاجها الاقتصاد المصري بشدة؟
وفق مقال في صحيفة ” الزي دوتيتشه تسايتونغ” الألمانية حول أجواء الزيارة المرتقبة رأت فيه أن ميركل في موقف حرج، فهي قبل سنتين استقبلت الرئيس السابق مرسي في برلين كأول رئيس مصري منتخب في البلاد بعد ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان اللقاء آنذاك تعبيراً عن احترام ألمانيا لخيار الشعب المصري، وانتخابه لرئيسه بشكل ديمقراطي حر .. لكنه الآن قابع في السجن، ومحكوم عليه بالإعدام، وتساءلت الصحيفة هل تختار ميركل الخيار الأخلاقي وتتجنب لقاء السيسي؟ أم أن ذلك سيكون مغامرة تضر بالعلاقات بين الدولتين لآنه سيكون من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع في مصر مستقبلا!!
وسط هذا اللغط حسم رئيس البوندستاغ الألماني نوربرت لامبرت أمره، وفضل علي عكس ميركل المكسب الأخلاقي، وقرر إلغاء اجتماعا كان مقرراً له مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء زيارته المرتقبة إلى برلين، ووجه بهذا الخصوص رسالة إلى السفير المصري في برلين أعلنه فيها بهذا الإلغاء، وفند أسبابه في بيان أصدره المكتب الصحفي في البوندستاغ قال فيه : إن تردي أوضاع حقوق الإنسان في مصر، والاعتقالات الجماعية، واضطهاد المعارضين والزج بهم في السجون وأحكام الإعدام بحق المئات من المعارضين التي يصعب تصورها، أو قبولها لا تشجع علي إجراء مثل هذه المقابلة مع الرئيس المصري ، ومن المعروف أن نوربرت لامرت رئيس البوندستاغ، ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب للمسيحي الديمقراطي الحاكم فولكر كاودر كانوا متفهمين لما حدث في 30 يونيو، لكن القمع وتردي أحوال الحريات وأحكام الإعدامات المتوالية دفعهم إلى تغير موقفهم.
من جهة أخرى صرح السفير الألماني بالقاهرة هانز يورج أثناء مقابلته عدد من الصحفيين المصريين الذين سيرافقون الرئيس السيسي في رحلته إلى ألمانيا بتصريحات أثارت جواً من البلبلة في أوساط الإعلاميين المؤيدين للرئيس السيسي عندما قال “إن الإخوان ليسوا خلف كل العمليات الإرهابية التي تشهدها مصر، وليس لدينا علم أو دليل على ذلك، ولم يعلمنا أحد بدليل يثبت أن الإخوان إرهابيون” ثم استطرد قائلا” لدينا صعوبة في فهم صدور أحكام إعدام بالجملة، وأحكام إدانة أخرى لم تقدم فيها دلائل دامغة ” ثم وجه انتقادات لاذعه لقانون التظاهر وتطبيقه قائلا: “هناك شباب ممن دعموا الرئيس السيسى يقبعون حالياً في السجون بسبب مشاركتهم في المظاهرات، وفقا لهذا القانون، الذي إذا تم تعديله أو تغييره فسوف تتحسن صورة مصر الخارجية”.
الصحفي الألماني ماركوس بيكل كتب مقالا في صحيفة “فرانكفورتر الجماينة” تساءل فيه عن جدوي زيارة الرئيس السيسي في هذا الوقت الذي يتصاعد فيه التنديد الألماني علي كافة المستويات بأحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم المصرية بحق المئات من المعارضين، وقال بيكل “إن مهمة الرئيس السيسي ليست سهله لآن المستشارة الألمانية ستربط أي مساعدات تنموية مرتقبه بتحسن ملف حقوق الإنسان في مصر، وترسيخ الديمقراطية”، وتساءل الصحفي الألماني عن مصير الاتفاقية التي وقعت بين وزارة العدل الألمانية، والمصرية بشأن تدريب قضاة مصريين بعد ثورة 25 يناير، ولماذا تم تجميدها بعد الإطاحة بمرسي وتولي السيسي مقاليد الحكم؟
توقيت الزيارة بشكل عام يراه مراقبون ألمان غير موفق، ففي الوقت الذي ستصافح فيه المستشارة الألمانية الرئيس المصري يوم 3 يونيو ربما يتزامن مع هذا اللقاء أن يكون قد تأكد بشكل قاطع الحكم بإعدام مرسي بعد رد المفتي، فكيف إذن ستقبل بذلك ألمانيا التي ترفض في الأساس أحكام الإعدام وخاصة الإعدام بحق الرئيس السابق مرسي؟!!
إذن لا مخرج من مأزق المقابلة إلا بتأجيلها أو محاولة إيجاد حل ذكي من الإدارة المصرية بطرح مبادرة للتصالح السلمي في المجتمع المصري علي سبيل المثال، وعدم إقصاء المعارضين والعمل علي لحمة المجتمع وإجراء انتخابات برلمانية عاجلة. فربما يكون هذا هو الخيار الأفضل الذي يشجع علي علاقات إيجابية يتمخض عنها مساعدات ألمانية سخية، لأن ألمانيا يهمها بشكل استثنائي استقرار مصر لآن استقرارها سيساعد في استقرار دول المنطقة وسيساهم بشكل فعال في وقف عمليات النزوح الجماعي للمهاجرين من بؤر التوتر عبر المتوسط الذي يتجه معظم أبنائه إلى ألمانيا بالنظر إلى وضعها الاقتصادي المتميز.
فهل ستسير مصر في هذا الاتجاه التصالحي؟
________________
*كاتب مصري مقيم في ألمانيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
