في إسبانيا “فلسطين مجانيّة”!

هنا في إسبانيا مثلا، استقبلني صديق في بيته، رجل في السبعين من عمره يتمتع بوقار فلسطيني فائض، أوّل ما تجتاز الباب، يعترضك إطار حائطي يحتوي مفتاح بيته هناك في تقليد فلسطيني معهود على أمل العودة.

عبير الفقيه*

 
Free Palestine
فلسطين مجانية، كانت هذه ترجمة  جاءتني على لسان طفل عربي في إطار ورشة تنشيطية  للأطفال للتعريف بالقضية الفلسطينية، على هامش أسبوع إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية الأسبوع الماضي في إسبانيا، للكلمة السابقة.

 في الحقيقة إجابة الطفل المندفع، نزلت على قلبي كالصّاعقة وأخرستني برهة من الزّمن، وأنا أتطلّع في باقي وجوه الأطفال المارّين مع آبائهم بمكان الورشة، في ساحة من ساحات برشلونة، حيث تتجمّع عادة هذه الشريحة، نظرا لفساحة السّاحة، ووجود ألعاب هنا وهناك، وانتصاب ورشات مناسباتية تشغل الأطفال عن أبائهم قليلاً مُحقّقة لهم إفادة معرفية، وثقافية إلى حدّ ما.

إذن بطلنا ابن الثلاثة عشر عاماً، إسباني المولد، والجنسية، وعربي الاسم، والملامح و الأصل. كان بين جمع من الأطفال المصطفّين حول طاولة ازدانت بألوان و شعارات و أحرف عربية، و كان شعار
 Free Palestine

حاضراً على علم فلسطين، فرأيت في هذا الشعار انطلاقة مناسبة لطرح الموضوع عليهم، وسألتهم عن معناه وربّما  الأساس كان ماهي فلسطين؟ فما كان من الطّفل إلّا ان يجيب سبّاقا  بنبرة واثقة: “فلسطين مجانية”.

في الحقيقة خرست من هول دلالات الإجابة، التي تعنى أن فلسطين منتوجا ما قابعاً على رفوف سوبر ماركت، مع إشارة فاقعة تنادي العميل كي يقتني ما تيسّر، بما أن شراء واحدة يبيح الحصول على الثانية مجاناً. والأخطر أنني وقفت على تغلغل لغة  التسوق في الثقافة الأسرية على حساب استعمالات أخرى عديدة لنفس المفردات. والدا الطفل (اللذين التقيتهما بعد ذلك) ليسا سوى مثالٍ متواتر في المجتمع، لا يهّم من أين يأتي، ولكن شغله الشاغل أن ينهل من بحر المغازات، ويلبس ويأكل ظانّا أنّ فطنته، ومتابعته اليومية لكلّ العروض الاستثنائية في مجال السّلع، تجعله رابحا لا محالة مادام لفظ “مجاني” يتصدّر المشهد ويشعره أحيانا انه أذكى حتى من المصنِّع منتج السلعة.

عموماً، تجاوزت الصّدمة مُرغمة، وفسّرت العبارة على أساس أن الصبي وأصدقاءه لا يعلمون شيئا عن الموضوع، وقد اعتبرت أنّه من العبث أن  أسأله عن معنى فلسطين، بما أنه صنّفها سلعة و لم يستدرك. وأدركت بعد أن رأيت لغة الحقوقيين لا تعني والديه أبداً، ولفظ الحرّية بالذات، وجب تبويبه في خانة الآخر. و بالتالي، فحرية الأوطان و الأشخاص لن تكون يوما موضوع حوار عائلي.

فالجهد العائلي يطمح الى أن يواكب كرنفالات الإسبان و احتفالاتهم و ما أكثرها، واقتناء الأزياء المناسبة لها بكل حماسةٍ. مشاغل يومية تضفي على القلوب مرحا مادامت غير مهتمّة لا بمصداقية تاريخ ولا بِرسْم مستقبل.

لا أخفي عليكم، إن وقفنا عند هذا الحدّ من جهل شريحة اجتماعية معينة بالقضيّة، لرأينا فلسطين تباع مجانا فعلاً. و لكن، من المؤكّد أنّ الضمائر المدافعة بشراسة عن القضايا الإنسانية و القضية الفلسطينية بالذات، تتقدّم بخطى ثابتة  غير عابئة  بضغط  الحكومات، وتضييقها على أنشطتها.

على الأقلّ، في المجتمع الأوربي، فمقابل هذا الإحباط لوجود فئة جاهلة بمفهوم الهوية، وما يقتضيه، تقف منبهراً أمام عمق ثقافة فئات أخرى، وإلمامها بكل ما يمتّ بصلة للقضيّة الفلسطينية من تاريخ بين (الحقيقة و التزوير) وأزمات إنسانية، واقتصادية و حصار… الخ.

و يزيد انبهارك أكثر كلما اقتربت من هذه الفئة  المناضلة على اختلاف أصولها، عربا كانوا في أوربا، أو أوربيين على أرضهم الآمنة، يبحثون في أدقّ تفاصيل القضية، ويسعون لنشرها قصد كشف  التزييف الذي تعتمده إسرائيل للحقائق. و يمكن أن يمتدّ النضال الى حدود اعتباره قيمة تربوية راسخة في العائلة، من ذلك ما رأيته في بعض العائلات الفلسطينية المُهجّرة.
هنا في إسبانيا مثلا، استقبلني صديق في بيته، رجل في السبعين من عمره يتمتع بوقار فلسطيني فائض، أوّل ما تجتاز الباب، يعترضك إطار حائطي يحتوي مفتاح بيته هناك، في تقليد فلسطيني معهود على أمل العودة. ثم تتواتر عليك التفاصيل الصغيرة في كل ركن من أركان البيت، كله ينطق بالهوية و الإصرار على الدفاع عنها. علما بأنّ هذه الفئة الاجتماعية لا تفتقر الى أي اندماج في المجتمع الأوربي، بلد الهوية الثانية، نجاعة و تفوّق على الجانبين.
 شرف القرب من هذه النماذج، يجعلك تحسّ انّه لا المكان و لا الزّمان قادران على محو القضيّة الأم من عقولهم و قلوبهم جيلا بعد جيل، بل على العكس، فانّ دائرة التأثير تتّسع يوما بعد يوم، و ما اندماج عائلات أوربية بأكملها في هذا التيار فقط بحكم الجيرة أو الصداقة الّا دليلا على انّ قضايا الحقّ تلِجُ الضّمائر طوْعا.
هؤلاء من يعرف أولادهم أن ترجمة الكلمة تعني أن فلسطين حرّة، ولن تصير يوماً مجانية

___________________

*كاتبة تونسية تقيم في إسبانيا 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان