استجداء إسقاط النظام في تركيا

تركيا قبل خمسة عشر عاماً فقط كان يحكمها الجيش، وبتحولات بطيئة، ومدروسة، وطويلة النفس، قطعت شوطاً طويلاً على طريق الديمقراطية.. يتبع.

عبد القادر عبد اللي*


قبيل موعد الانتخابات العامة التركية المزمع إجراؤها في السابع من حزيران/ يونيو المقبل، تشير استطلاعات الرأي العام إلى تراجع – ولو كان طفيفاً – لبعض أحزاب المعارضة التركية، وعدم انعكاس هذا التراجع إيجابياً بشكل مباشر على حزب العدالة والتنمية الحاكم. ويفسّر خبراء الاستطلاع هذا التراجع بما أسموه “الهجوم على المشاعر الدينية” الذي يقود حملته حزب الشعوب الديمقراطية.
بالطبع لا يُنكر أن التشكيك باستطلاعات الرأي وارد دائماً، وعلى الرغم من اعتماد شركات صدقت تنبؤاتها لمرات عديدة، وكانت نتائج استطلاعاتها موضع تشكيك أيضاً، فمن حق الجميع التشكيك، ولكن ثمة حقيقة خارج هذا التشكيك، وهي أن الحساسية الدينية محط اهتمام كثيرين من الذين سيدلون بأصواتهم في تركيا، وإذا كان حزب الشعوب الديمقراطية يعتمد على أصوات الأكراد، فلا أحد يُنكر أن هناك شريحة من الأكراد أيضاً لديها حساسيتها الدينية، حتى إن هناك حزباً كردياً يمكن تصنيفه ضمن الإسلام السياسي اسمه “حزب القضية الحرة” ومن المؤكد أن الخطاب المناهض للدين يخسّر صاحبه شيئاً من أصواته، وهذا ما تقوله استطلاعات الرأي.
الكذب في السياسة قضيةٌ مألوفة، وكذب السياسيين كثير إلى درجة أن أحداً لا يمكنه إحصاءه، وخاصة في المواسم الانتخابية إذ يبلغ الكذب بالوعود الانتخابية مبلغاً يتجاوز الكاريكاتير، ومن صور هذا الكاريكاتير على سبيل المثال لا الحصر المتداولة في تركيا اليوم بين أحزاب المعارضة: سنبيع الديزل والبنزين بأقل من نصف تكلفته، ونرفع الحد الأدنى للأجور خمسة أضعاف، و..و..و..و…
إضافة إلى الوعود المادية الوردية هناك وعود معنوية وردية أيضاً، وأهم هذه الوعود هي “الديمقراطية”… يَعِدُ حزبا الشعوب الديمقراطية والشعب الجمهوري إن فاز أحدهما بجلب الديمقراطية إلى تركيا…
يبدو أن أَطَرَف أنواع الكذب هو النوع الذي يطلقه الشخص ثمّ يصدقه، وهنا تخطرنا قصة أشعب بن جبير الشهيرة عندما أراد أن يدفع عنه صبية يعذبونه ويسخرون منه، فادعى كاذباً بأن لدى بيت فلان وليمة يوزعون فيها على الصبية الحلوى. وما إن انفضّ الصبية عنه، حتى قال لنفسه: “ويحك يا أشعب، ترسل الصبية إلى وليمة تحرم نفسك منها؟” ولَحق بالصبية…
أورد هذه القصة للقول إن ادعاءات بعض أحزاب المعارضة التركية بأن حكومة حزب العدالة والتنمية تتجه نحو الديكتاتورية، تشبه تماماً ادعاء أشعب بأن لدى بيت فلان وليمة. فتركيا قبل خمسة عشر عاماً فقط كان يحكمها الجيش، وبتحولات بطيئة، ومدروسة، وطويلة النفس قطعت شوطاً طويلاً على طريق الديمقراطية…
بعد أن كانت هيئة الأمن القومي ذات الغالبية العسكرية تقرِّر سياسات الدولة التركية، والحكومة تطبقها، أُجريت تعديلات تدريجية على المواد الدستورية حتى تم تقليص كثير من صلاحيات العسكر، وطغى الأعضاء المدنيون المنتخبون على الأعضاء العسكريين. من الصعب إجراء مسح دقيق للتحول الديمقراطي الذي حدث على مدى ما يزيد عن عقد من الزمن في مقال، ولكن من الحقائق الدامغة أنه لم يعد من السهولة بمكان حظر الأحزاب السياسية، وقمع الحريات حتى أصبح من المألوف تبادل الاتهامات بين قضاة ورئيس الجمهورية، وأن يُحاكم زعيم انقلاب مثل كنعان إفران…. ولو قال أحدهم في مطلع الألفية الثالثة إن هذا سيحدث بعد عقد من الزمن في تركيا لكان موضع سخرية.
لا بد من القول إن الديمقراطية التركية مازالت ناقصة مقارنة بالدول الأوربية ذات الديمقراطيات العريقة، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل- التحول إلى ديمقراطية حقيقية بعد إرث حكم عسكري مباشر حيناً، ومن وراء ستار أحياناً منذ تأسيس الجمهورية حتى مطلع الألفية الثالثة. ولكن وصف: “التحول نحو الديكتاتورية” وصفٌ بمنتهى الغرابة، ويبدو أن لهذا الوصف جانبين.
الأول، التوق للانقلابات العسكرية، وحظر الأحزاب الذي كان سائداً في القرن الماضي لأنها الطريقة الوحيدة التي توصل هذه الأحزاب إلى السلطة، والثاني له علاقة بقصة أشعب…
إن الحكومات في الدول الديمقراطية تسقط عبر صناديق الاقتراع، ويلعب العامل الخارجي دوراً جزئياً ثانوياً من خلال الدعاية وممارسة الضغوط أو دعم انقلاب عسكري، أما في الدول الديكتاتورية فتسقط الحكومات أو تُثبت بفعل الدول الراعية، أي الخارج.
صدّقت أحزاب المعارضة التركية أن النظام التركي نظام ديكتاتوري على طريقة أشعب، وبدأت تقدّم رسائلها المناهضة للإسلام (السني) السياسي، بتغيير بنية التدريس الديني ورئاسة الشؤون الدينية للخارج وليس للداخل، فهي يئست من الداخل، ولم تستطع طرح بديل سياسي مقنع لهذا الداخل.
الانقلاب العسكري في تركيا يحتاج إلى دعم خارجي أوربي وأمريكي تحديداً. لهذا فإن رسائل محاربة الإسلام السني التي تقدمها المعارضة، وخاصة حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية هي موجهة إلى الخارج وليس إلى الداخل، فهي غير مهتمة ببضعة آلاف من الأصوات الانتخابية التي لا تغيّر في المشهد السياسي شيئاً. كل ما يهمها أن تحظى بانقلاب يريحها من عناء النضال السياسي، ويحملها إلى السلطة دون أن تبذل جهداً، ولكن يبدو أن العالم غير مستعد –حالياً على الأقل- لبث الفوضى في تركيا، وهكذا فإن استجداء دعم انقلاب عسكري لن يأتي إلى تركيا بغير الكارثة، وكوارث المنطقة العربية المجاورة لم تهدأ بعد.

_________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان