قضايا الفساد: فجرتها صراعات، وأخمدتها توافقات!

كما كان تفجير هذه الملفات نتاج صراع وفضح متبادل في دواليب السلطة، كانت المحاكمات سجالا “هذه بتلك” وقد كان طبيعيا أن يحتكم المتنازعون إلى توافق يضمن حصانة الجميع.. يتبع.

نصرالدين قاسم*

“الخليفة بنك” أو فضيحة القرن، مشروع القرن أو فضيحة الطريق السيار، سوناطراك 1، وسوناطراك 2 كلها عناوين مسلسلات الفساد الذي لا يريد أن ينتهي في الجزائر. إنها قضايا فساد التهمت ملايين الدولارات من الخزينة العمومية، ومن جيوب المساكين أيضا، في بلد غني يعاني شعبه الفاقة والفقر وطنك العيش.
فضيحة القرن هي قصة شاب صيدلاني قادم من المجهول أقام إمبراطورية مالية  كبيرة في وقت قياسي وعلى حين غفلة من الناس.
أسس “عبد المؤمن خليفة” عام 1998 بنكا انتشرت وكالاته كالفطريات في كل ربوع وطن هو الأكبر مساحة في أفريقيا، ملئت خزائنه بالأموال التي تدفقت عليه من كل حدب وصوب، الجميع يودع أمواله في بنك الخليفة، مؤسسات عمومية وخاصة، وحتى صندوق الضمان الاجتماعي صب مدخراته في حساب آل خليفة، بل حتى الكثير من المواطنين البسطاء أودعوا ما اكتنزوه في حياتهم في حساب “الفتى الذهبي” وهكذا تحولت الصيدلية إلى مؤسسة مالية أكبر من مؤسسات الدولة و”أشطر” من بنوكها وأنشط.
ما كاد ينصرم العام حتى أصبح صاحب الصيدلية مليارديراً رهيبا يتقرب منه المديرون والسفراء والوزراء وأصحاب الجاه والسلطان. ثم فتحت شهيته فأسس شركة طيران عملاقة “الخليفة للطيران” تتمتع بأسطول من الطائرات، وتغطي رحلات لا تغطيها الشركة العمومية الجوية الجزائرية. وكلما كبر المجمع كبر معه طموح “الشاب” فأسس قناة تلفزيونية “الخليفة تي في” ولدت كبيرة بمقرها ومكاتبها وطاقمها الصحفي ومراسليها ونشاطاتها الكبيرة. فاكتملت الصورة وانتقل “الغولدن بوي” إلى السياسة، إلى تمويل المشاريع، وشراء ذمم الشخصيات المحلية والعالمية من فنانين وسياسيين حتى الفرنسيين منهم وتمويل الفرق الرياضية وعلى رأسها فريق مرسيليا الفرنسي.  
وعندما دخل السياسة، وإن كأداة،  بدأ يلامس الخطوط الحمراء ويشكل خطراً على المصالح والشبكات على اعتباره شبكة جديدة. متاعب الخليفة بدأت عام 2002 من فرنسا عندما بدأ الحديث عن إفلاس البنك لينتقل إلى الجزائر، فيستشعر الرجل الخطر ويغادر هاربا إلى بريطانيا، ليصبح مطلوبا من فرنسا والجزائر بتهم تبديد الأموال والاحتيال والخيانة وتكوين جمعية أشرار.
ليحل البنك بأوامر في العام 2003 ثم وفي لمح من البصر تنهار الإمبراطورية انهياراً حراً وكأنها كانت صرحا من خيال فهوى بعد بضع سنين من تشييدها، وتصفى الشركات ويحجر على الأموال وتصادر الممتلكات وتباع العقارات بثلث ثمنها أو أقل. في ظرف خمس سنوات ولدت الإمبراطورية وكبرت ثم اختفت وكأن شيئا لم يكن.
“عبد المؤمن” الذي حوكم في بريطانيا ثم سلم للجزائر قبل عامين، لا يزال يصر على أن بنكه لم يكن مفلسا، ويؤكد أنه ترك في خزينته ثلاثة مليارات دولار اختفت مباشرة بعد قرار حل البنك، وأن شركاته كانت ناجحة. ويفسر مشكلته على أنها سر من أسرار الدولة وأن قضيته سياسية. إنها كما يقول تصفية حسابات تاريخية جرت أثناء الثورة بين أبيه الذي كان حينها رئيس مخابرات الثورة والرئيس الحالي الذي حوكم حينها وحُكم عليه بالإبعاد إلى مالي.
ما انفك محامو “الفتى” يهددون بإمكانية ذكر أسماء ثقيلة متورطة في “الملف” منهم مسؤولون كبار من مختلف المؤسسات والاتجاهات. لكن طيلة مجريات المحاكمة لم يذكر “خليفة” أي اسم من العيار الثقيل برغم ما يروج له من تهم لمسؤولين كبار في الدولة ومؤسساتها، واكتفى بترديد جملة واحدة: “لدي أشياء لا أستطيع أن أقولها”. لقد بدت المحاكمة وكأنه مفصول فيها بالتراضي!
مشروع الطريق السريع شرق غرب والذي يوصف بأنه مشروع القرن نظرا لضخامته وأهميته تحول هو الآخر إلى فضيحة فساد كبرى، وضعت معظم المسؤولين عنه في قفص الاتهام بالفساد والتلاعب بالمال العام والتعامل بالرشا والعمولات. مشروع القرن هو قصة طريق سريع يربط الشرق (من الحدود مع تونس) بالغرب (على الحدود مع المغرب) على مسافة تزيد عن 1216 كيلومترا بتكلفة قدرت في البداية بـ 7 مليارات دولار، ثم انتقلت إلى 11 مليارا، لكنها تجاوزت هذه الأرقام أضعافا إذ تؤكد معلومات غير رسمية أن التكلفة تجاوزت الـ20 مليارا بسبب الرشاوي والعمولات والتلاعب بأموال الشعب وسرقتها. الملف يبدو أن العدالة فصلت فيه بأحكام مخففة تتراوح بين البراءة وعشر سنوات سجنا نافذا لتؤكد مخاوف الناس من أن المحاكمة ليست سوى ذر للرماد في الأعين.
سوناطراك 1وسوناطراك 2 عنوانان لمسلسل فساد آخر تدور أحداثه على المسار نفسه. وسوناطراك هي التسمية المختصرة بالفرنسية للشركة الوطنية لنقل المحروقات وتوزيعها. أحد المسلسلين بإنتاج مشترك إيطالي جزائري. فضائح سوناطراك اتُّهم فيها وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل ومسؤولون كبار آخرون وبعض من أبنائهم. ومسؤولون في شركتي إيني وسايبام الإيطاليتين. لكن وزير الطاقة المزدوج الجنسية جزائري أمريكي، أُخرج وبأعجوبة من الفضيحة ولم يعد لا متهماً ولا شاهداً بعد أن كان مطلوبا للعدالة وراج الحديث عن إصدار أمر بإلقاء القبض عليه!
لم يكن الرأي العام الجزائري يثق بهذه المحاكمات، ولم يؤمن بجديتها حسبما تتناقله القنوات التلفزيونية من أراء للمواطنين، وقد أثبتت الأيام أن الفساد مستشر في كل مفاصل الدولة ولا يمكن محاربته أو بالأحرى ليست ثمة نية لمحاربته، فمن يحارب من؟ ذلك لأن آلة الفساد لا تزال تفرخ نماذج أخرى من الفاسدين لا تقل خطورة عن الخليفة والطريق السيار وفضائح سوناطراك وغيرها. وهذا ما يؤكد شكوك الجزائريين في أن هذه المحاكمات لا تعدو أن تكون مرتبة مفصولا فيها سلفا لتكون في صالح المفسدين أجمعين.
 فكما كان تفجير هذه الملفات نتاج صراع وفضح متبادل في دواليب السلطة، كانت كذلك المحاكمات سجالا “هذه بتلك”، وقد كان طبيعيا أن يحتكم المتنازعون أو “الحوت الكبير” إلى توافق يضمن حصانة الجميع ويدفع ثمنه “الحوت الصغير” وإن “بجرعات” متفاوتة ومخففة.
__________________

*كاتب وصحفي جزائري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان