الدول الأصغر ستقود العالم في المستقبل

كانت قطر أحد اهم محاور دراسات علم اقتصاديات السعادة، حيث جاءت قطر الأولى عربيا بنسبة 86% فى ثقة الافراد ببعض، والتلاحم الاجتماعى؛ طبقا لدراسات رائد علم اقتصاديات السعادة ريتشارد استرلن.

 

د. اسامة الكرم*
كان العالم عبر التاريخ تتصدره دول كبرى، لكن المستقبل سيكون له رأى اخر، حسب دراسات علم اقتصاد السعادة.

فقد كشفت دراسات هذا العلم أن هناك دورة للسعادة تتجه الآن لصالح الدول الاقل سكاناً .. فقد جاءت نتائج الأبحاث لتؤكد أن شعوب إنجلترا، والولايات المتحدة الآن أقل سعادة عما كان عليه أسلافهم فى منتصف القرن الماضى .. فرغم كل التقدم الهائل فى الدخول والتكنولوجيا ووسائل الرفاهية الا أن السعادة اصبحت أقل بعد زيادة السكان.

وتبين أن ثقة الافراد ببعضهم قد انخفضت في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية من 60 بالمئة قبل أكثر من اربعين عاماً لتصبح اليوم بنحو 30 بالمئة، في حين حافظ مؤشر الثقة على نسبة 60 بالمئة في البلدان الاسكندنافية، بينما تصل النسبة إلى أكثر من 80% فى بعض البلدان العربية.

وتتزيد الثقة كلما كانت الدولة أصغر من حيث تعداد السكان وأفضل فى كفاية معدل الإنفاق الحكومى .. وكانت قطر أحد أهم محاور دراسات علم اقتصاديات السعادة .. حيث جاءت قطر الأولى عربيا بنسبة 86% فى ثقة الأفراد ببعض، والتلاحم الاجتماعى طبقا لدراسات رائد علم اقتصاديات السعادة ريتشارد استرلن .. كما جاءت قطر الأولى على مستوى العالم  فى الاهتمام بالصحة .. حيث يوجد بها 7.7 طبيب لكل ألف نسمة .. ومما يزيد من الإحساس بالسعادة هو الشعور بالأمان نحو المستقبل .. وفى هذا المجال أيضا تتصدر قطر العالم حيث إنها الأولى عالميا فى معدلات الادخار، حيث يتجه الشعب القطرى إلى إدخار 59% من دخله .. مما يعنى إحساس بالأمان أكثر فى المستقبل وللأجيال القادمة .. هذا أدى لإنتاج حكومة أفضل حيث تتصدر قطر دول العالم فى معدل كفاءة الإنفاق الحكومى طبقا لتقرير صندوق النقد.

وبالتالى كل ماكان يقال عن دور دخل الفرد في تعظيم السعادة، فإنه على الرغم من أهميته، إلا أنه لا يشكل سوى 10 % من مقياس سعادة الافراد، فالسعادة مسألة لايمكن توفيرها عن طريق الشراء، ولكنها تزيد فى الدول الأقل سكانا مثل مملكة بوتان التى كانت أول دولة فى العالم تعتمد على اقتصاد السعادة فى قياس الأداء الاقتصادى.

وقد التقت في العقود الاخيرة، نخب من علماء الاقتصاد وعلماء النفس للمرة الأولى في دراسات أكاديمية وتطبيقية مشتركة تضمنت قياس سعادة الافراد على مدى الفترة الطويلة.. إذ يقول الاستنتاج الذي توصلت اليه تلك النخب الأكاديمية، أنه على الرغم من أن السعادة تتزايد عندما يغادر الأفراد قاع الفقر وبلوغهم مرتفع الغنى،الا ان مستوى القناعة يأخذ بالهبوط كلما ابتعدوا كثيراً عن خط الفقر.

ويرى الاقتصادي البريطاني المعروف البرفسور ريتشارد لايرز، الأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وأحد مؤسسي علم اقتصاد السعادة، بأنه عند بلوغ الأجر الشهري للفرد20الف دولار فأكثر فإن معدل القناعة يأخذ بالتنازل وتخضع القناعة هنا لقانون تناقص المنفعة.

أما دورة المتعة التي تحدث عنها رائد علم اقتصاديات السعادة ريتشارد استرلن، وتعني أنك عندما تصبح ثرياً ستعتاد على حالة الغنى فوراً .. وسيتحدد مستوى معيشتك مدى الحياة على هذا النمط من الغنى لاغير. ويواصل استرلن بان السلوك الاقتصادي قد أظهر، بأنه عندما نشبع حاجاتنا الاساسية نبدأ بقياس قناعاتنا القائمة ليست على ثرواتنا المطلقة اوانجازاتنا وانما على المقارنة بالاخرين(الغيرة! أو الحسد! او المباهاة…الخ).

وقد أوضحت دراسة أشرف عليها البروفسور دانيال كاهنيمان في جامعة برينستون الأميركية، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أن السعادة ليست مرتبطة بالضرورة بالثراء المادي. ومن خلال تقييم 28 نشاطا وجد الباحثون أن الممارسة الزوجية الجنسية الجيدة، والاسترخاء مع الأصدقاء أو تناول غداء مع زملاء العمل يمثل أكثر النشاطات متعة بالنسبة لأغلبية الأشخاص. وهذه الأمور أعقبها مشاهدة الطبيعة، والتسوق مع الزوجة، أو الزوج والطبخ.. كل ذلك يؤدى إلى زيادة افراز المخ ” للسيروتينين” ..

وقد وجد أن مستويات السعادة ترتبط بمادة الـ “سيروتونين”، وهي مادة كيميائية داخل المخ تعمل على تحسين المزاج العام. فكلما انخفضت هذة المادة، ازدادت العصبية، وانخفض مستوى الرضا عن الحياة، وكلما زادت  ارتفع مستوى الرضا عن الحياة وازدادت السعادة .. وهى تتوفر فى الدول الأقل سكاناً .
لهذا فالمستقبل سيكون فى صالح الدول الأكثر سعادة حيث إن الإنسان بها سيكون الأقدر على قيادة العالم نحو الأفضل.

____________________

*كاتب مصري وخبير اقتصادي

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان