الراية الحمراء فوق الخيمة التونسية

 د.نور الدين العلوي*

في العاصمة التونسية يوجد معلم سياسي شعبي يزوره الناس، ويلتقطون معه صورا تذكارية بضاحية المرسى التي كانت ارستقراطية ثم صارت برجوازية ثم صارت موطن الحداثة التونسية.

المَعْلَم هو مقهى الصفصاف في المقهى يوجد بئر وحول البئر ناعورة يديرها جمل. الجمل تأنسن حتى صار يأكل شيبس.

لم يعد جملا ولم يصر شيئا مختلفا عن حيوان داجن لصور السلفي السريعة. لكنه يدور حول محور الناعورة ولا يتقدم.

الوضع في تونس الآن يدور في مكانه، ويأكل شيبس ويصور سلفي ويتباكي إذ يكتشف أنه يدور كجمل الصفصاف المدجن. فكلما خيل إلى التونسيين أنهم خرجوا من زنقة الماضي إلى شارع المستقبل التفت بهم الطريق إلى مدخل مغلق. وهم يشبهون أنفسهم الآن بجمل المرسى الذي يدور في مكانه مغمض العينين.

الحكومة ذات الراية
كان الناس ينتظرون المرور إلى تفعيل الدستور الذي تفاخروا به أمام العالم. أمهلوا الحكومة الجديدة 100 يوم لتستقر وتشرع في الإنجاز. وكان المنتظر هو وضع التشريعات اللازمة للمرور إلى الانتخابات البلدية والمحلية قبل نهاية السنة.

فالمدن والبلدات صارت في غياب الأجهزة البلدية المنتخبة مزابل مفتوحة وتأخر إنجاز كل شيء لعجز الهيئات المنصبة عن اتخاذ القرارات. لكن عوض ذلك ظهرت وزيرة السياحة تخيط راية حمراء لتسجل بها اسمها في كتاب قينس القياسي.50 ألف متر من القماش الأحمر. راية تشير إلى صاحبتها. لم تحضر لجنة قينس ولم يسجل الرقم ولكن الجمهور الهائم خلف الرايات الحمر سار عليها وشرب نخبها ودخنه حشيشا.

بين الإشهار السياحي لخدمة القطط السمان في السياحة وبين الشباب الحافي في الصحراء الذي سار على الراية مسافة من الاحتقار قامت ضدها ثورة ودفعت فيها أرواح زكية. لكن الحكومة ذات الراية لا تريد أن تقطع المسافة إنها تغيّر إيقاع السعال والنحنحة لتهدي إلى خيمتها تحت رايتها الحمراء سياحة السفلس والسيدا.

الزوارق الشراعية في مكب النفايات
وتفتقت عبقرية الدرويش وهو ليس الشاعر الفلسطيني، وإنما وزير يحسن تسريع شعره بزيت اللوز. على تحويل سبخة السيجومي إلى بحيرة سياحية تمخر عبابها الزوارق الشراعية. والسّبخة لمن لا يعرفها مكب نفايات ومستنقع مغلق لمجاري الصرف الصحي منذ ما قبل الاستقلال. وتحيط بها أفقر أحياء العاصمة. وتحويلها إلى بحيرة يقتضي حفرها وتغيير مسارات الصرف الصحي، وهو أمر عجزت عنه كل الحكومات بما في التي تمولت من القذافي. لقد تبين أن صاحب المقترح لا يعرف المكان، وليس لديه أدنى فكرة عن المحيط الاجتماعي الذي يريد منحه حديقة مائية فالمحيط أحياء مفقرة بل معدمة تحتاج قبل المسابح وزوارق النزهة إلى وسائل نقل لائقة وإلى مدارس لأولادها وإلى شغل يستر جوعها.

الصور الجميلة للبلد في أذهان دراويش الحكومة بينت جهلهم بما يجري على الأرض. وفضحت المسافة الأخلاقية والفكرية بينهم وبين مطالب الثورة الاجتماعية التي استولوا عليها في صفقة سياحية. لكن السخرية منهم لا تعالج المشاكل البيئية المحيطة بالمستنقع ولو أحدثوا له وكالة لمقاومة الناموس. السخرية تتحول إلى مرارة. والمرارة طعم ذاقه التونسيون طيلة حكم الدكتاتورية وتمنَّوْا استبداله بطعم ألذَّ  لكن جمل الشيء المعتاد يدور في مكانه ولا يتقدم.

القروض اللذيذة للموظفين
ثم قاصمة الظهر في حكومة الرايات الحمراء المزيد من القروض والمزيد من الإلحاق الاقتصادي. والمزيد من الصفقات المشبوهة في قطاع الطاقة. ولكي لا يخوض الناس في شؤون البلد الموجعة تطرح الحكومة بواسطة إعلامييها المحترفين المزيد من القضايا الهامشية. هل يجوز أكل لحم الحمار؟ هل يحق لمضيفة الطيران أن تغطي رأسها بخمار؟  في الأثناء أعلنت أكبر شركات الاستخراج المنجمي توقفها عن العمل. بما يعطل أكبر منطقتين صناعيتين للتكرير أي أن هناك نصف مليون بشر يعيش من الفوسفات يقف الآن أمام هاوية السقوط. ولحل المعضلة تقوم الحكومة بطلب قروض والزيادة في أجور الموظفين وتتوسل إليهم بالاقتصاد في استعمال التكييف.

الحلقة تنغلق من جديد.
الجمل يدور حول الناعورة ويأكل شيبس والسياح يتوافدون والحكومة تعفي الأغنياء من الضرائب لتشجيع الاستثمار لكن البنك المركزي يكتشف تهريب الأغنياء لأموالهم بما يدل لديهم على يقين أن اللعبة انتهت.

وتهرب الحكومة إلى الأمام بوضع قانون حماية الأمنيين من الشعب الأعزل. ومن حسن حظ الحكومة أن تقع العمليات الإرهابية في الزمن المناسب جدا لطرح قانون الإرهاب الذي يجيز لها السجن على الهوية. وفيما الناس ينتظرون الانتخابات البلدية وجدوا أنفسهم يناقشون جواز لحم ذوات الحافر.

وتبدع المعارضة العبقرية في السخرية من الحكومة في الصفحات الاجتماعية، وتنظم الملتقيات العبقرية في النزل الخمس نجوم لتناقش التنمية المستدامة في الأرياف. فيما إضرابات الجوع تتوالى في بيوت المعطلين عن العمل.

توجد قطيعة فضيعة بين النخب وبين الشارع. إنها القطيعة التي خلقها النظام وعجزت النخب عن كسرها منذ ما قبل الثورة. لقد سجنت نفسها في ما ترك لها من هوامش وبقيت في انتظار سقوطه الذاتي لتحلَّ محلَّه. لكنها لا تريد أن ترى أنه قابل للبقاء رغم كل الجهل بالواقع. لأنه نظام بلا معارضة فعالة. بل إن ضعفه مستحب لدى المعارضة لأنه يسمح لها بشيء من الإيهام بجرأتها عليه لكنها لا تذهب إلى حد العمل على إسقاطه والحلول محله. لأنها بكل بساطة  تستنسخه فيها وتعيد إنتاجه.
توجد مسرحية سخيفة تؤلفها السلطة وتتابعها المعارضة هي مسرحية الإيهام بوجود حياة سياسية في تونس تماما كالإيهام بوجود بئر وناعورة في المرسى تمجدها الأغاني ثم تصير محطة للسلفي السياحي مع الجمل الداجن. وَهْمُ الضيعة(البيَّارة) ووهم الحكومة هو وهم الدولة التي قامت على الورق وانهارت في الطريق.
إننا نشهد تآكلا ذاتيا للنظام القديم وصيغه الجديدة المستعادة بانتخابات مزيفة لكن نشهد أيضا عجز النخب المعارضة عن تطوير خطابها وممارساتها السياسية للقيام ضد نظام يتآكل من داخله ويثبت يوما بعد يوم انه خيمة دعارة  ترفع راية حمراء تسمع داخلها  نحنحة سياحية

___________________

*كاتب تونسي استاذ علم الاجتماع

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان