العدل المفقود بين دولة القانون ودولة السيسي

لا فرق بين اليوم والأمس، فالواقع المصري لم يختلف كثيراً، غير أن منحنى الظلم والاستبداد فى الحالة المصرية بات أكثر صعودا منذ الثالث من يوليو.
محمد الشبراوي*
![]() |
لا
فرق بين اليوم والأمس فالواقع المصري لم يختلف كثيراً، غير أن منحنى الظلم والاستبداد في الحالة المصرية بات أكثر صعودا منذ الثالث من يوليو، وبلغ ذروته مع تولى السيسي، فالعدل مفقود، والظلم والاستبداد واقع مشهود وبالقانون مفروض.
مصر المحورية تحديدا تفتقد العدل بشدة، وتعانى من الاستبداد والطغيان، والظلم المقنن، خاصة منذ أن وقعت في قبضة ديكتاتورية الحكم العسكري مع الثالث والعشرين يوليو 1952.
فعلى مدار أكثر من ستة عقود مضت، كرس الحكم العسكري فى مصر التشريع القانوني من أجل تثبيت أركان النظام والعصف بالحقوق والحريات وأصبح شعار دولة القانون شعارا مبتذلا يعبر فقط عن رؤية نظام أوليجاركى يحكم مصر!
ويمثل الشعار تحالفا بين طغمة عسكرية، ومالية، وأقلية سياسية، وثقافية، وطائفية كانت في أوضح صورها في الثالث من يوليو 2013 وما بعده.
فهذا النظام في أحد أشهر أمثلة تجليات تكريس سلطته عبر التشريعات القانونية، طغى على من تملكوا بحق مشروع فسلبهم ملكيتهم قهرا باسم القانون بزعم تحقيق العدل، فأفقر الأغنياء، ولم يغن الفقراء، وكان هدفه الأول تحقيق تأييد واسع للنظام الجديد عبر مجموعة من التشريعات القانونية ، أثبت الواقع والتاريخ أن أغلبها أرجعت مصر للخلف عقودا عديدة حتى سبقتها دويلات، ودول كانت تتسول معونتها .
لقد باتت مصر عن عمد مملكة خاصة لمؤسسة حاكمة أفقرت الشعب واستعبدته، فتحولت مصر إلى بلد فقير اقتصاديا، وميت سياسيا، وتركزت الثروة في يد مجموعة الحكم، ومن يصل إليها أو يدور في فلكها، وينافقها لتتسع الهوة الاجتماعية، ويتنحى العدل ويكرس الظلم والفساد عبر آلية التشريع القانوني ليصل الأمر إلى أعلى تجلياته في فترة حكم مبارك ثم يعاود الصعود كالصاروخ في فترة السيسي.
سعار التشريع وجنون الاستبداد
سعار التشريع إضافة إلى جنون الاستبداد بالسلطة معادلة لا ينتج عنها إلا فقدان العدل وانتهاك الحقوق والحريات. هذا ما يمكن أن نصف به الوتيرة المتسارعة لصدور القوانين في فترة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو وحتى تولي عبدالفتاح السيسي رأس السلطة خاصة في غيبة برلمان منتخب.
ففي خلال 330 يوما قضاها عدلي منصور كرئيس مؤقت للبلاد أصدر بحسب بعض الإحصائيات 147 قرارا بقانون بينما فاقه السيسي في فترة وجيزة حيث أصدر ما يزيد عن 180 قرارا بقانون تعتبر روتينية وفقا لبعض التقارير. وبحسب ما ذكره إبراهيم الهنيدي وزير العدالة الانتقالية وشئون مجلس النواب فى 21 يناير 2015 فإن ما يزيد عن 50 تشريعا حقيقيا أصدرها السيسي في ستة أشهر تقريبا.
غير أن أهم دلالات هذا السعار التشريعي في هذه الفترة الوجيزة لدولة القانون فى عهد الانقلاب والسيسي هي:
– ضربت دوما عرض الحائط بأصحاب المصلحة الحقيقة، وهم شعب مصر، الذى لم يكن هناك أدنى اعتبار لرأيه في إصدار القوانين فجاءت مجافية لمصالحه، ووفق أجندة تشريعية أعدت سلفا من أجل تطويق إرادة الشعب وتحزيم حريته وتقزيم دوره لمصلحة المنظومة الحاكمة، ووضع المزيد من العوائق أمام إمكانية التغيير في مصر عبر هندسة الخريطة السياسية المصرية، بما يكرس استمرارية النظام، ويقصى سائر الفاعلين المحتملين من المشهد.
-يضاف إلى ذلك إرباك المشهد الاقتصادي المصري الذى يعانى بسبب إدارة المنظومة الحاكمة من مشاكل هيكلية في بنيته مما أدى لتعاظم الأزمات الاقتصادية بما يصب في مصلحة أصخاب السلطة والنفوذ ومؤيدي النظام .
-صدر قانون المناقصات ذي السمعة السيئة، وقانون تمديد فترة الحبس الاحتياطي الأسوأ على الإطلاق والذى لا مثيل له في الاستبداد، وقانون التظاهر، وقانون الاستثمار المهدر لأموال شعب منهك اقتصاديا، وقانون الانتخابات المفصل على مقاس السلطة، وقانون الجمعيات الأهلية، وقانون الكيانات الإرهابية، وقانون توسيع اختصاصات القضاء العسكري، وقانون الجامعات الذى أحكم قبضة السلطة على التعيينات بالجامعات، والعديد من القوانين الأخرى التي تسير في نفس الاتجاه.
دولة القانون ودولة السيسي
لقد سعت منظومة الحكم في مصر منذ أكثر من ستة عقود لتسخير التشريعات و سن القوانين بما يصب في تكريس هيمنتها، ودولة السيسي هي بالفعل دولة تحكم بقانون وتعمل وفق ما سنته من تشريعات ولكن أي تشريعات وأي قوانين إنها قوانين الظلم بالقوة وتشريعات الاستبداد بالسلطة.
إن المشرع البشري قد يسن قانونا يحرم حلالا ويحل حراما ويشرعن باطلا ويجرم حقا، لذلك فدولة القانون تختلف اختلافا جذريا عن دولة العدل، فالمستبد والطاغية يحكم بقانون ولكن هيهات هيهات أن يحكم بالعدل.
إن دولة القانون في كثير من الأحيان تكون أشد ظلما واستبدادا من دولة الطغيان، وإن أشد أنواع الظلم فتكا بالأمم هو الظلم بالقانون، ذلك أن دولة الطغيان، والاستبداد عندما تظلم تجد من يستنكر ظلمها ويتعاطف مع المظلومين، وأما دولة القانون الظالمة فإنها تشهر سيف القانون فى وجه من يعارضها فيختفى المستنكرون، ويتوارى المتعاطفون.
وفى دولة القانون يندر أن تجد قاضيا يخرج عن نص القانون الجائر ليقضى بالحق، أما في دولة العدل فإن القاضي العادل يحكم بالحق ولو كان نص القانون جائرا.
إن مصر فى عهد دولة السيسي دولة قانون (ولكن قوانين ظالمة)، وليست دولة عدل، فقد شهدت منصات قضائها من فارق العدل نفوسهم قبل أن يخلو منه النص القانوني فمالوا مع الهوى، وأمالوا عنق النصوص القانونية المستقيمة وانحرفوا بها عن الحق.
إن الفترة التي تعيشها مصر الآن لا مثيل لها من حيث الاستبداد عبر حزمة من القوانين التي يتحكم بها النظام في شؤون الناس وفقا لإرادته لا إرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدى فيكمم أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته.
فى دولة القانون المستبد (دولة السيسي) يراد للشعب بالقانون أن يساق كالقطيع، وأن يصطف وراء الزعيم والقائد الملهم، ولكن إذا أرادت أى أمة أن تملك أرادتها، وتدحر مستبديها فعليها أن تكون كما قال بعض الأقدمين (كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام.
نعم؛ على الرّعية أن تعرف مقامها: هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟.. والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام وإنْ صال ربطتْه)
العدل في مصر صار مفقودا بين دولة القانون ودولة السيسي. لذلك لن يستقيم حال مصر ولا يأمل شعبها ثمة خير أبدا مع نظام تقنين الفساد ماء الحياة له وشرعنه الاستبداد أركان بنيانه.
إن من سنن الله الكونية أن جعل العدل أساس الملك لذلك يقول الحسن الخزرجي ( الملك مع العدل والكفر يدوم ولكن الملك مع الإسلام والظلم لا يدوم).
إن الله يقيم دولة العدل ولو كانت كافرة ولا يقيم دولة الظلم ولو كانت مسلمة
______________
*كاتب مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
