العلاقة الخفية بين “مصطفي بكري” و “الإليكترون”

نشرت صفحة الوطن المصرية علي “الفيسبوك” عقب صلاة الفجر يوم الجمعة 1 مايو الجاري، بانر خبري بعنوان “بكري يحذر مهاجمي السيسي: “المركب لو غرقت حتغرق بينا كلنا”. وتألق المشاركون في سخريتهم ونقدهم رغم أن غالبيتهم من التيار السيساوي.

عبده مغربي*

آفة حارتنا النسيان، قالها نجيب محفوظ قبل أن يظهر الإنترنت، و الآن إن نسي أهل الحارة أفعال فردٍ، فإن “غوغل” لا ينسي، كذلك “يوتيوب”، فلديهما قدرة خارقة علي تذكير أهل الحارة والحارات المجاورة في مجراتنا والمجرات المجاورة بكل ما يلفظه نجومنا من تصريحات وتلميحات وتحولات.

يستطيع الطفل في عمر 10 سنوات  فما فوق كشف النفاق أو الاتساق في مواقف أي فرد  من النخبة، وما دونها بضغطة زر علي لوحة مفاتيح أبسط جهاز كمبيوتر.

فقد نشرت صفحة جريدة الوطن المصرية علي “الفيسبوك” عقب صلاة الفجر يوم الجمعة 1 مايو الجاري، بانر خبري بعنوان “بكري يحذر مهاجمي السيسي: “المركب لو غرقت حتغرق بينا كلنا “، ونشرت الصفحة رابط الخبر الذي يأخذك إلي موضعه علي موقع الجريدة، والخبر في الأساس تفريغ لجزء من حلقة “بكري” في برنامجه “حقائق وأسرار” المذاع علي “قناة صدي البلد”، وخلال أقل من ساعة ورغم أننا في ساعات الصباح الأولي ليوم يفترض أنه إجازة يغط الغالبية فيه في النوم العميق، إلا أن التعليقات انهالت علي الخبر كزخات المطر التي تبهج أطفال القرية في بدايات الصيف، تألق المشاركون في سخريتهم ونقدهم رغم أن غالبيتهم من التيار السيساوي.

عقب هذا البوست وأنا أطالع صفحتي نشرت صفحة أخري من تلك التي تنشر معلومة كل صباح بوست جديد في منطقة تبعد تماماً عن المجالات السياسية والإعلامية، البوست علمي بامتياز ويقول: ” من عجائب الفيزياء  أنه في عام 1906 فاز العالم “جوزيف طومسون” بجائزة نوبل للفيزياء بعد إثباته أن الإلكترون في الذرة هو عبارة عن جسيّم، بعدها بـ 29 عاما فاز ابن هذا العالم بنفس الجائزة بعد أن أثبت علميًا أن أباه كان خاطئًا، وإن الإلكترون هو في الحقيقة مجرد موجة”.

سخرية المصريين ليس لها حدود، بنفس القدر الذي لقيه “مصطفي بكري” من السخرية، في تصريحه ضد من يهاجمون الرئيس السيسي، لقيه أيضاَ “الإلكترون”، السخرية في الحالتين كانت بسبب التضارب بين صورة مصطفي بكري قديماً وحديثاً، وصورة الإلكترون أيضاً  قديماً وحديثا.

لقي “الإلكترون” ما لقيه مصطفي بكري بسبب التضارب الواضح بين طومسون وابنه في تحديد هويته المتقلبة،  واجها نفس المصير من السخرية رغم التباعد الواضح بين الاثنين “بكري” و “الإلكترون”، فعلق أحدهم علي ابن طومسون في بوست الإلكترون قائلاً : “عيل مش متربي .. بيغلط أبوه قدام الناس”، فعقبت عليه أخري قائلة :” الجدير بالذكر بقي إن الاتنين علي حق، لأن الإلكترون له طبيعة موجية وطبيعة جسيمية”، وأعقبها ثالث بتعليق قال فيه: ” في انتظار حفيده يقول شيئاً آخراً”.

وتوالت التعليقات التي وصلت إلي رقم قياسي أيضاً في لحظات قليلة، تعليقات علمية وتعليقات ساخرة، وكان التوالي يكسبها بهجة من نوع خاص في التعامل مع المعلومة، فقال أحدهم: “علي فكرة أنا بدرس فيزياء والإلكترون ذو طبيعة مزدوجة أي أن له الخاصية الموجية كما له الخاصية الجسيمية ” ثم جاء سخيف وقال:” للتخلص من النمل، ضع قشر الخيار علي المكان الذي يخرج منه النمل ” في إشارة إلي التعليقات التي انهالت علي البوست ومنها ” مش بعيد يطلع الحفيد ويقولك إنه مفيش إلكترون أساساً”، و” اللي يقدر يثبت إنه مش جُسيم ومش موجه يستعد ياخد الجايزة التالتة بعدها نوبل راح يبطلوها ” وتعليق في الموضوع قال صاحبه:” هذا رد قوي علي أصحاب المنهج التجريبي وهو أن النظريات العلمية التجريبية نسبية وليست قطعية” ثم عادت السخرية : ” طب ابقي ارجع البيت لو راجل . أبوك حيعلقك يا اسطي “.

حظي بوست “الإلكترون” علي “الفيسبوك” بقدر كبير من التفاعل، تماماً كما حظي بوست “مصطفي بكري” وهو يحذر منتقدي السيسي بأن ” المركب لو غرقت، هتغرف بينا كلنا” فقال أحدهم :”  ههههههههه خايف علي نفسك ولا خايف علي البلد “، وتوالت التعليقات التي يعاقب عليها القانون بطريقة تبين الحد الذي وصل له مصطفي بكري في نفوس المصريين، لكن أعتقد أن القانون لا يعاقب علي  هذا البوست الذي قال فيه صاحبه :” انت بطة يا صاصا مش حتغرق خالص” و البوست الذي قال ” والله ما حد حيغرقها غيرك ” ، وهطلت البوستات بشكل مثير من السرعة والتوالي، معظمها يقع تحت طائلة القانون، و يبدو أن الأخبار التي تتعلق بـ “صاصا”  – بحسب الوصف الأكثر تأدباً  لمصطفي بكري عند المشاركين في الفيسبوك – هي من  نوع الأخبار التي تتصدر خانة الأكثر تعليقاً.

لذا تحرص هذه الصحف علي نقل تصريحاته، وبعض رؤساء تحرير هذه الصحف أعرف حجم كراهيته لمصطفي بكري، لكنه يهتم بنشرها بشكل مثير، ويقيني أن نقل تصريحاته علي هذا النحو يصب في صالح الصحف من جهة ، و في صالح من لا يحبونه فيها من جهة اخري، كي يستمتعوا بطوفان التعليقات بحق زميلهم أو قل غريمهم في الصراع علي قلب السيسي، كونها تنزل بالويل من الشتائم علي رأس “بكري” وتأخذ في وجهها الرئيس السيسي، طمعاً ربما في أن يصدر الرئيس قراره إلي مصطفي بكري بأن يتوقف عن الكلام باسمه حتي لا يثير كراهية المصريين له، الأمر الذي دفع أحدهم أن يقول : ” يا جدع انت هو مفيش حد غيرك يتكلم علي السيسي، إنت جنس ملتك إيه، أمثالك هما اللي بيخفضوا شعبية الرئيس، المفروض الرئاسة تمنع أشكالك من الحديث باسم الرئيس “.

 على أنه بالنسبة لي وأنا أتابع صفحتي علي “الفيسبوك” توقفت كثيراً قبل كتابة هذا المقال عند سخرية القدر الذي أتي بـ” بوست مصطفي بكري” مباشرة قبل “بوست الإلكترون” ثم التماهي في محتوي التعليقات في الاثنين والتي يدور معظمها حول  التقلب كصفة أو قل طبيعة تجمع بين “بكري” و “الإلكترون”، وصعوبة ثبات كل منهما علي حالة واحدة  إلي الحد الذي حير العلماء كما في حالة  “الإلكترون”، وحير المصريين كما في حالة “مصطفي بكري”.

صباح الحيرات، آسف سقطت النقطة .. صباح الخيرات

________________

*كاتب وصحفي مصري

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان