تركيا علمانية بلا علمانيين

إذا كانت العلمانية بالمعنى البسيط هي “فصل الدين عن الدولة”، فيمكن القول بكل بساطة أيضاً إن العلمانية في تركيا ولدت عرجاء. يمكن للمسيحي أن يكلّل في الكنيسة، ولكن المسلم محروم من هذا الحق.
عبد القادر عبد اللي*
![]() |
“رجب طيب أردوغان ليس علمانياً، ولكنه رئيس حكومة علمانية.”
بهذه الكلمات يفصل الرئيس التركي بين عقيدة الفرد ودستور الدولة، فلكل فرد عقيدته، ويعتبر أيضاً أن “الدولة العلمانية تضمن تديّن الأشخاص”. بالمقابل هناك من يرفض هذا الكلام، وفي تركيا تحديداً ترفضه قطاعات تعتبر نفسها علمانية ببنيتها التنظيمية وأشخاصها.
في دستور عام 1982 ترد موادٌ تسمى “غير قابلة للتغيير”، أو تلك التي درج على تسميتها في اللغة العربية: “المواد فوق الدستورية”. وقد جاء في المادة الثانية من هذه المواد بأن “الجمهورية التركية دولة قانون… ديمقراطية علمانية واجتماعية”.
وانتقلت هذه العبارة بين دساتير تركيا كلها منذ تأسيس الجمهورية حتى الآن. وكما أن الديمقراطية كلمة مطاطة من الصعب رسم حدودها إلى درجة اعتبار نظام الحزب الواحد قائد الدولة والمجتمع ديمقراطي، فإن العلمانية أيضاً في تركيا ذات حدود لا يمكن رسمها بدقة.
إذا كانت العلمانية بالمعنى البسيط هي “فصل الدين عن الدولة”، فيمكن القول بكل بساطة أيضاً إن العلمانية في تركيا ولدت عرجاء. فمنذ نشأة الجمهورية ثمة حقوق استثنيت بحكم اتفاقية لوزان للسلام، وهي “حماية حقوق الأقليات”، ولكن الاتفاقية حددت الأقليات بأنها غير المسلمة، وسمتها: “الروم واليهود والأرمن” واعتبرت “الأقليات من المسلمين أتراكاً”. وبهذا يمكن للمسيحي أن يكلّل في الكنيسة، وباحتفال ديني، ولكن المسلم محروم من هذا الحق، فالزواج المدني ليس خياراً في تركيا للمسلم كما هو الأمر في كثير من الدول الأوربية، بل مفروض عليه، ويتمتع المسيحي واليهودي بحق هذا الخيار على سبيل المثال. وهذا ما جعل نجم الدين أربكان مؤسس الإسلام السياسي في تركيا يقول عند تشكيله حكومته الائتلافية مع حزب الطريق القويم عام 1996: “نريد للمسلمين حقوقاً متساوية مع حقوق أخوتنا المسيحيين”. إنها دعوة غريبة في دولة نسبة المسلمين فيها تزيد عن 98%، ومنها يظهر بجلاء أن الحرية الدينية الممنوحة للمسيحي في تركيا كانت تثير حساسية المسلم، ولعلها كانت وراء كثير من المشاكل التي عاشتها تركيا في الماضي؟
في الحقيقة أن عرج العلمانية التركية لا يقتصر على هذا الأمر فقط، فهناك أيضاً رئاسة الشؤون الدينية التابعة لرئاسة الحكومة، وهذه المؤسسة هي مؤسسة حكومية تشرف على تعيين المفتيين وأئمة المساجد وخطبائها، وتدفع الدولة من ميزانيتها رواتبهم.
حزب الشعب الجمهوري هو الذي أسس الجمهورية التركية، وهو الذي وضع هذه الأسس، لا يعتبر نفسه علمانياً فقط، بل هو الحارس الوحيد والحصري للعلمانية. ولعل رؤية هذا الحزب للعلمانية تختلف اختلافاً جذرياً عن الرؤية التي قدمها رجب طيب أردوغان. فهذا الحزب يعتبر أن أي مظهر ديني هو اعتداء سافر على العلمانية، وعلى قيم الجمهورية التركية التأسيسية، وأن حزب العدالة والتنمية هو حزب إسلامي يخفي عقيدته، ولديه مشروع سري هدفه النهائي أسلمة الدولة.
وفي مرحلة ما قبل عام 2011 كان الهتاف والبرنامج السياسي الرئيس لهذا الحزب هو: “لن نسمح بأن تكون تركيا إيران ثانية”. ولكن بعد الثورة السورية، ووقوف حزب العدالة والتنمية ضد النظام السوري، تحول هذا الحزب بزاوية 180 درجة مئوية، وبدأ يركض بأقصى سرعة نحو النموذج الإيراني. فمن ناحية الموقف السياسي يمكن القول إن لديه عقيدة شبه معلنة بعصمة الولي الفقيه. إنها شبه معلنة لأنه يعتبر كل القرارات التي تتخذها إيران صائبة مهما كان نوعها وشكلها، وقد تجلت مواقفه بأكثر من زيارة لرأس النظام السوري، وباعتباره كل معارض سوري هو إرهابي من داعش والنصرة وإن كان هذا المعارض ملحداً أو غير مسلم.
لم تبق القضية في حدود التطابق التام بين هذا الحزب ونظام الولي الفقيه في الموقف من القضايا السياسية في المنطقة، بل تجاوزتها لإعلانه بأن هناك في تركيا علويين وجعفريين لهم حقوق دينية، ويجب أن تُدرس القيم العلوية في المدارس، وترعى الدولة مؤسساتهم الدينية… يقيم العلويون احتفالاتهم الدينية في تركيا بحرية، ويمارسون طقوسهم، ويبنون “بيوت الجمع” التي تعتبر معابدهم المقابلة للمسجد عند المسلمين السنة والجعفرية، وهذه الطقوس كلها يعتبرها حزب الشعب الجمهوري مظاهر طبيعية ضمن حرية المعتقد والحريات الشخصية لا تتناقض مع العلمانية.
صحيح أن كمال قلتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري يصر على أنه علماني، وأن الأفراد أيضاً يكونون علمانيين، ولكن ما الفرق بين موقفه وموقف رجب طيب أردوغان من قضية العقيدة؟ فأردوغان يعتبر نفسه غير علماني، وفي الوقت نفسه يحكم دولة علمانية يعتبرها ضمانة لحريته العقائدية، وقلتشدار أوغلو يعتبر نفسه علوياً، ويدعو لنشر القيم العلوية، ولتبني الدولة القيم العلوية، ويقول عن نفسه إنه علماني… هل تكمن القضية بأن تبني القيم السنية عداء للعلمانية، وتبني القيم العلوية منسجم مع العلمانية؟
إذا كان حزب الأغلبية في تركيا اليوم يعتبر أن الأفراد غير علمانيين بحسب قول زعيمه، وحتى الملحدين هم في النتيجة أصحاب عقيدة، وإذا كان حزب المعارضة الرئيس يتبنى العقيدة العلوية ويعتبر أن هذه العقيدة لا تتناقض مع العلمانية، فما الفرق في النظرة إلى العلمانية بين هذين التيارين السياسيين؟ وبما أن حزبي الأغلبية الحاكمة والمعارضة الرئيس يقبلان بأن الإيمان لا يتناقض مع العلمانية، فأين هم العلمانيين في تركيا؟
__________________________
كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية*
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
